أخبار اليوم. يشكّل حضور القبيلة في موريتانيا واحدًا من أهم عناصر تشكيل الوعي الاجتماعي والسياسي، إذ لم تفقد القبيلة قوتها مع قيام الدولة الحديثة، بل استطاعت أن تتكيف معها وتعيد إنتاج نفسها كفاعل سياسي غير معلن. وقد تحولت من إطار اجتماعي تقليدي ينظم العلاقات والتضامن، إلى آلية مؤثرة في إنتاج السلطة وإعادة توزيعها، غالبًا على حساب مفهوم المواطنة والعدالة.
ولعلّ ما يدعم راهنية هذا الطرح هو ما جرى مؤخرًا خلال زيارة رئيس الجمهورية لولاية الحوض الشرقي، حين طالب الأطر والمسؤولين بالابتعاد عن التخندق القبلي، في إشارة واضحة إلى أن الولاء القبلي ما يزال يفرض منطقه على الحياة السياسية، ويحد من تشكّل دولة مدنية مكتملة الأركان.
القبيلة بين التاريخ الاجتماعي والتحول السياسي
كان للقبيلة تاريخيًا دورٌ في حماية الأفراد وتنظيم الموارد المشتركة، لكنها تحولت مع الزمن إلى بنية تُكرّس التراتبية والتمييز الاجتماعي. وفي الحالة الموريتانية، ما تزال القبيلة تحدد المكانة والوجاهة السياسية، بل وتؤسس للوجدان الجمعي الذي يُشخّص الوطن وفق خريطة الانتماء والولاء، لا وفق معايير الكفاءة أو العدالة.
من هنا، يبدو أن الدولة نشأت حديثة في الشكل، لكنها لم تنجح تمامًا في تفكيك البنى التقليدية المتجذرة في الوعي الاجتماعي. فالعلاقات داخل المؤسسات الرسمية كثيرًا ما تُدار بمنطق العصبية لا بمنطق القانون، الأمر الذي يجعل الدولة تبدو متقدمة في خطابها، لكنها محكومة في عمقها بمعادلات قبلية دقيقة.
الشرعية القبلية في مواجهة الشرعية الدستورية
اعتمد النظام السياسي منذ تأسيس الدولة على توظيف القبيلة بدل تفكيكها. حدث ذلك عبر آليات متراكمة، من أبرزها:
البحث عن التوازن الجهوي والقبلي في التعيينات بدل اعتماد معايير الكفاءة؛
توجيه الصفقات والمشاريع وفق شبكات الولاء والمصالح؛
استخدام الرموز القبلية في دعم الخطاب الانتخابي والسياسي.
بهذا المعنى، أصبحت القبيلة فاعلًا سياسيًا يشارك ـ من خلف الستار ـ في صياغة القرار، مما أدى إلى نشوء شرعية موازية للشرعية الدستورية، وخلق منطق “التحالف القبلي” داخل النظام السياسي بدل منطق الدولة المؤسسية.
انعكاسات التمركز القبلي على الدولة والمجتمع
أدت هيمنة منطق الانتماء إلى مجموعة من النتائج الخانقة للمجال العمومي، من أبرزها:
1. إضعاف مفهوم المواطنة وتحويلها إلى امتياز تفاوضي لا حق مكفول.
2. توريث مواقع النفوذ داخل أسر محددة، ما يكرّس الغبن والتهميش.
3. تعطيل المؤسسات الحديثة نتيجة تغليب الولاء على الأداء والكفاءة.
4. تحويل الدولة إلى شبكة مصالح محكومة بتوازنات قبلية مرنة ومتبدلة.
الدولة كـ “تحالف قبائل”
رغم الخطاب الرسمي الذي يؤكد وحدة الدولة ونفي الجهوية، إلا أن الواقع السياسي يكشف أن البنية الداخلية للنظام ما تزال قائمة على توازنات قبلية دقيقة؛ فالأمن السياسي غالبًا ما يُدار بمنطق التحالف بين الزعامات المحلية والنخب الإدارية، لا بمنطق الدستور والمؤسسات. وهكذا أصبح الولاء القبلي رأس مال سياسي يُشترى به النفوذ، وتُدار عبره المصالح.
نحو عقد اجتماعي جديد
إن التحول نحو دولة مدنية لا يقتضي إلغاء القبيلة، بل إعادة توجيهها لتكون عنصر تضامن لا أداة نفوذ. ويتطلب ذلك:
تحييد الولاءات القبلية عن الإدارة والانتخابات؛
إصلاح التعليم والإعلام لترسيخ قيم المواطنة؛
تمكين المجتمع المدني ليحل محل العصبية في تمثيل المصالح؛
تشجيع الأحزاب على تبني خطاب وطني يتجاوز اصطفافات العشيرة والجهة.
خاتمة
تُظهر التجربة الموريتانية أن بناء دولة وطنية حديثة لا يمكن أن يكتمل دون مراجعة العلاقة بين القبيلة والنظام السياسي. فالقبيلة ليست مجرد إرث اجتماعي، بل هي بنية فاعلة في إنتاج السلطة. لكنها في الوقت نفسه تستطيع ـ إذا أُحسن توجيهها ـ أن تصبح جزءًا من مشروع وطني جامع يوازن بين الأصالة ومتطلبات الدولة الحديثة.
إن اللحظة التي نعيشها اليوم، بعد خطاب رئيس الجمهورية في الحوض الشرقي، قد تمثل فرصة تاريخية لإعادة التفكير في مفهوم الشرعية السياسية، وبناء دولة تجعل من المواطنة لا الانتماء القبلي أساسًا للعدالة والمساواة.
