الجاليات تطالب بنقل موتاها وتعليم أبنائها.. فمن يتذكر معاناة أهلنا في الداخل؟   محمد الزين معلوم

أخبار اليوم.   قرأت التوصيات التي خرج بها المنتدى الأول للجاليات الموريتانية، وتوقفت طويلًا عند بعض المطالب التي حملها ممثلو الموريتانيين في الخارج إلى نواكشوط، خصوصًا ما يتعلق بإنشاء صندوق للمساعدة الاجتماعية يشمل نقل جثامين المتوفين في الخارج، وفتح مراكز تعليمية وثقافية لأبناء الجاليات.

 

ولا أخفي أنني شعرت بشيء من الخيبة، ليس لأن هذه المطالب غير مشروعة، وإنما لأنني كنت أنتظر من ممثلي الجاليات طرحًا مختلفًا، أكثر وعيًا بواقع البلد، وأكثر إدراكًا لحجم الأزمات التي يعيشها المواطن الموريتاني في الداخل.

 

نحن نتحدث عن بلد لا تزال مناطق واسعة منه تعاني نقص المياه والكهرباء، وعن قرى لا تتوفر فيها مدارس تستوعب أطفالها، وعن تجمعات سكانية يعاني أهلها من غياب الخدمات الصحية الأساسية، بل إن بعض المرضى قد لا يجدون سيارة إسعاف تنقلهم إلى أقرب مستشفى.

 

وحتى نواكشوط، عاصمة البلاد التي احتضنت هذا المنتدى، لا تزال تعاني أحياء منها انقطاعات المياه والكهرباء ومشكلات الخدمات الأساسية.

 

وفي ظل هذا الواقع، يذهب ممثلو الجاليات إلى نواكشوط ليطالبوا بنقل جثامين الموتى من الخارج، وفتح مراكز تعليمية لأبنائهم في بلدان الإقامة.

 

أليس في الأمر ما يستحق التوقف؟

 

كيف نفكر في نقل جثمان موريتاني من أمريكا أو أوروبا إلى وطنه، بينما قد يعجز موريتاني في إحدى قرى الداخل عن الوصول حيًا إلى مستشفى بسبب غياب سيارة إسعاف؟

 

وكيف نطالب بتوفير خدمات تعليمية إضافية لأبنائنا المقيمين في دول تتوفر فيها أنظمة تعليمية، بينما هناك أطفال في قرى موريتانية لا يجدون أصلًا مدرسة قريبة من بيوتهم؟

لا أقول إن على الموريتاني في الخارج أن يتخلى عن حقوقه، ولا إن معاناته لا تستحق الاهتمام. لكنني أتساءل عن إحساسنا بالأولويات، وعن مدى حضور معاناة أهلنا في تفكيرنا ونحن نضع قوائم مطالبنا.

 

فليس من الضروري أن تكون كل حاجة مشروعة أولوية وطنية، ولا أن تتحول كل مشكلة تواجه الجاليات إلى مطلب لإنشاء صندوق أو مؤسسة جديدة.

 

ولعل ما يثير الاستغراب أكثر هو أننا نتحدث عن جاليات تضم رجال أعمال وأطباء ومهندسين وأساتذة جامعات وأصحاب تجارب وخبرات اكتسبوها في مجتمعات متقدمة، ثم نجد أن بعض أبرز المطالب التي تخرج بها لقاءاتهم تتعلق بخدمات كان يمكن للجاليات نفسها أن تنظم جهودها لمعالجتها.

 

فهل تعجز جاليات تضم آلاف الموريتانيين عن إنشاء صندوق تضامني لنقل جثامين موتاها؟ وهل لا بد أن تتحول هذه المسألة إلى مطلب وطني يتصدر توصيات مؤتمر يفترض أنه يناقش مستقبل علاقة الموريتانيين في الخارج بوطنهم؟

 

ثم هل فكرنا في عدد المدارس التي يمكن أن تسهم الجاليات في بنائها أو تجهيزها داخل موريتانيا؟ وفي عدد سيارات الإسعاف التي يمكن أن تساعد في توفيرها للمناطق النائية؟ وفي القرى التي يمكن أن تستفيد من مشاريع المياه والطاقة إذا وُجه جزء من جهودنا الجماعية نحوها؟

لقد كنت أتوقع أن يخرج المنتدى بمبادرات من الجاليات، لا أن تكون المطالب الموجهة إلى الدولة هي العنوان الأبرز لمخرجاته.

 

كنت أتوقع أن نسمع عن التزام جماعي بدعم التعليم في المناطق الريفية، أو عن مشروع لمساندة المستشفيات الداخلية، أو عن مبادرة يقودها الأطباء الموريتانيون في الخارج لتقديم خدمات طبية وتكوينية في المناطق المحرومة.

 

وللإنصاف، تضمنت التوصيات الحديث عن تعبئة الكفاءات ودعم الاستثمار، لكنني كنت أتمنى أن أجد التزامات أكثر تحديدًا، وأهدافًا واضحة، ومشاريع يمكن أن يرى المواطن أثرها في حياته اليومية.

 

إن ما أزعجني في هذه التوصيات هو الانطباع الذي تتركه عن طريقة تفكير بعض ممثلي الجاليات، وكأننا نرى الوطن من زاوية احتياجاتنا الخاصة فقط، بينما تغيب عن أولوياتنا معاناة المواطنين الذين يعيشون فيه.

 

نحن الذين نعيش في الخارج نعرف أن الحياة في الغربة ليست سهلة، ونعرف كذلك أن الموريتاني المقيم في أمريكا أو أوروبا قد يواجه مشكلات قاسية، لكننا نعرف أيضًا حجم الفارق بين الخدمات المتاحة في كثير من بلدان إقامتنا، وبين ما هو متوفر لأهلنا في قرى موريتانيا وأريافها.

 

وهذا الفارق كان ينبغي أن يجعلنا أكثر حرصًا على تقديم شيء ملموس لأهلنا، لا أن نعود إلى وطننا حاملين مزيدًا من المطالب لأنفسنا.

 

ولست هنا بصدد الدفاع عن الحكومة أو تبرير عجزها عن توفير الخدمات الأساسية. فمسؤوليتها عن أوضاع المواطنين في الداخل قائمة، ولا تسقط بسبب ما تقدمه الجاليات أو لا تقدمه.

 

لكن حديثي هنا موجه إلى الجاليات نفسها، وإلى من تحدثوا باسمها في هذا المنتدى.

 

هل هذا فعلًا هو سقف طموحنا؟

هل بعد سنوات من الهجرة، وما اكتسبناه من علم وخبرة وتجربة، تكون أبرز مساهماتنا في النقاش الوطني المطالبة بمزيد من الخدمات لنا ولأسرنا في الخارج؟

 

ألم يكن الأجدر بنا أن نفكر فيما نستطيع أن نقدمه للوطن، بدل أن ننشغل أساسًا بما يمكن أن نحصل عليه منه؟

ليس مطلوبًا من المغترب أن يحمل على كتفيه أعباء دولة بأكملها، ولا أن يتنازل عن حقوقه، ولكن من حق المجتمع أن ينتظر من نخبه وكفاءاته في الخارج مستوى مختلفًا من التفكير والمبادرة.

 

ومن حق المواطن الذي يعيش في قرية بلا ماء أو كهرباء أو خدمات صحية مناسبة أن يتساءل عما يحمله له أبناء وطنه القادمون من الخارج، خصوصًا حين يجتمعون في مؤتمر وطني يتحدث عن التنمية والاستثمار والمشاركة في بناء المستقبل.

 

كنت أتمنى أن يعود ممثلو الجاليات من المنتدى وقد أعلنوا عن مشروع لإنقاذ مدارس مهددة بالإغلاق، أو مبادرة لتوفير سيارات إسعاف، أو برنامج لدعم القرى الأكثر احتياجًا.

 

وكان يسعدني أن نسمع عن تعهدات محددة من رجال الأعمال والكفاءات الموريتانية في الخارج بمشاريع تنموية لا ترتبط بمصالحهم المباشرة، بل باحتياجات الناس الذين لم تتح لهم فرصة الهجرة.

 

ما الذي يمنعنا من أن نكون جاليات تعطي بقدر ما تطالب، وتبادر قبل أن تنتظر، وتحمل هموم الوطن بدل أن تحمل إليه همومها وحدها؟

 

إنني لا أرى في هذه التوصيات ما يعكس كامل الإمكانات التي تمتلكها الجاليات الموريتانية، ولا مستوى الطموح الذي كان منتظرًا من ملتقى جمع ممثلين عن موريتانيين يعيشون في دول مختلفة، ويملكون تجارب كان يمكن أن تكون مصدرًا لأفكار أكثر نضجًا وأوسع أثرًا.

لقد انتهى المنتدى، وبقيت أسئلة أعتقد أن علينا نحن الموريتانيين في الخارج أن نطرحها على أنفسنا قبل أن نطرح أي مطالب جديدة:

 

ماذا قدمنا لأهلنا في الداخل؟ وكم مدرسة ساهمنا في دعمها؟ وكم مريضًا ساعدنا في علاجه؟ وكم قرية استفادت من خبراتنا وإمكاناتنا؟

 

قد تكون هذه الأسئلة محرجة، لكنها في نظري أهم من كثير من المطالب التي حملناها إلى نواكشوط.

 

فأهلنا في الداخل لا ينتظرون منا أن نحل جميع مشكلاتهم، لكنهم يستحقون على الأقل أن يكون لهم مكان في أولوياتنا.

وأخشى أن نكون قد ذهبنا إلى الوطن لنحدثه طويلًا عما ينقصنا في الغربة، ونسينا أن نسأل عما ينقص أهله وهم يعيشون فيه

  • Related Posts

    وزير الداخلية: موريتانيا من الدول القليلة التي لايزال سجل الحالة المدنية فيها مفتوحا

    أخبار اليوم.   قال وزير الداخلية وترقية اللامركزية والتنمية المحلية المختار أحمد بوسيف،  إن مو ريتانيا من الدول القليلة التي لايزال سجل الحالة المدنية فيها مفتوحا. وقال ان دخول السجل له…

    اقرأ المزيد

    الجيش المالي يعلن استهداف إمدادات لوجستية ومسلحين في عدة مناطق

    أخبار اليوم.   أعلن الجيش المالي تنفيذ ضربات جوية استهدفت تجمعات لمسلحين ومواقع تضم معدات حربية وإمدادات لوجستية في شمال البلاد وجنوبها الشرقي ووسطها، الأربعاء الماضي، وفق بيان لهيئة الأركان العامة…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    وزيرة التربية تشارك في مؤتمر دولي حول الذكاء الاصطناعي في التعليم

    • أكتوبر 19, 2026
    وزيرة التربية تشارك في مؤتمر دولي حول الذكاء الاصطناعي في التعليم

    دولة الامتيازات: حين يُغتال العدل وتُختطف فرص الوطن

    • أكتوبر 16, 2026
    دولة الامتيازات: حين يُغتال العدل وتُختطف فرص الوطن

    الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي يستقبل المدير العام لاتحاد “يونا” ويشيد بجهوده الإعلامية

    • أكتوبر 14, 2026
    الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي يستقبل المدير العام لاتحاد “يونا” ويشيد بجهوده الإعلامية

    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    • أبريل 27, 2026
    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    • أبريل 19, 2026
    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    • مارس 25, 2026
    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا