أخبار اليوم. من المقرر أن تجرى الانتخابات الرئاسية القادمة في يونيو 2029، ولن يكون باستطاعة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني أن يترشح من جديد حسب نصوص الدستور الحالي، لأنه سيكون قد استنفد المأموريتين الرئاسيتن اللتين يسمح له القانون بهما، وهذا الوضع يضع الموريتانيين أمام امتحان حقيقي في اختيار رئيس جديد، فهي لحظة تاريخية لم يسبق لها مثيل في جميع الانتخابات الرئاسية السابقة، فلقد كانت جميع الانتخابات السابقة منذ رئاسيات 1991 تتميز بوجود مرشحين أقوياء لهم حضور على مستوى الوطن، سواء من الموالاة أو المعارضة.
فعلى مستوى المولاة كان معاوية ولد الطايع حين ترشح لانتخابات 1991 قد رسخ حضوره كقائد قوي منذ أن أطاح بالرئيس محمد خونه ولد هيداله في انقلاب عام 1984، وقاد البلاد على مدى ست سنوات، وكون حوله تحالفا عسكريا وتجاريا وقبليا قويا دعمه في تلك الانتخابات وضمن له الفوز، وأما ولد عبد العزيز فإنه ظهر كقائد عسكري قوي ضمن أعضاء اللجنة العسكرية التي أزاحت ولد الطايع عن الحكم بعد أزمة سياسية واقتصادية خانقة، وعلى مدى الفترة الانتقالية كان هو الذي يدير شؤون المولاة، وهو الذي رشح المرحوم سيدي وأنشأ له التحالف الذي ضمن له النجاح، وعندما انقلب على سيدي كان ممسكا تماما بزمام ذلك التحالف، ورغم أنه لقي صعوبات في الاعتراف داخليا ودوليا بانقلابه، إلا أنه استطاع أن ينجح في تجاوز تلك الصعوبات بدعم من أحمد ولد داداه رئيس مؤسسة المعارضة يومئذ، وخاض الانتخابات بتحالفه ذلك ونجح على مدى مأموريتين، كذلك فإن ولد الغزواني اكتسب حضوره السياسي من خلال تحالفه مع ولد عبد العزيز عندما سانده في انقلابه وأصبح قائده العسكري الذي يعتمد عليه طيلة فترته الرئاسية، وظهرت قوته في جانب الأمن القومي أثناء حروب الجزائر ومالي مع المتطرفين والانفصاليين، فحافظ على حدود البلاد، ولم يقبل الدخول في تلك الحروب، وكذلك عندما أصيب الرئيس ولد عبد العزيز، وبقي هو ممسكا بزمام الأمور طيلة الأشهر التي غاب فيها الرئيس تماما أثناء علاجه في فرنسا، فلم تحركه الدعوات الكثيرة من أوساط المعارضة والتحركات الشعبية في أوج فترة الربيع العربي، وحين وصلنا إلى آخر أيام حكم ولد عبد العزيز كان واضحا أن لدى تحالف المولاة مرشحا قويا يمكن الاعتماد عليه.
أما على مستوى المعارضة، فقد كان دائما هناك مرشح قوي مقبول في الأوساط الوطنية، وقد ظل أحمد ولد داداه ذلك المرشح القوي، إلى أن وقع في الخطإ التاريخي عندما ساند انقلاب ولد عبد العزيز على المرحوم سيدي ولد الشيخ عبد الله الرئيس المنتخب، فخسر الدعم الشعبي الذي كان يحظى به، وتحول ذلك الدعم إلى مسعود ولد بلخير الذي وقف موقفا وطنيا معارضا للانقلاب، ضمن له دعما قويا في الانتخابات الموالية التي خاضها ضد ولد عبد العزيز نفسه.
واليوم وفي ظل انتهاء مأمورية الرئيس ولد الشيخ الغزواني لا تلوح في الأفق شخصية بتلك القوة الشعبية التي كان بها أولئك الرؤساء والمرشحون في السابق، ليس عن قلة في معادن الرجال، فهؤلاء موجودون، لكنّ الظروف التي تدفع أحدهم إلى الواجهة غائبة، فعلى مستوى المولاة، كان هناك دائما قائد عسكري له حضور قوي يجعله مقبولا تلقائيا لدى طائفة كبيرة من المجتمع، فقد أحيل أغلب القواد الأقوياء إلى التقاعد وابتعدوا عن المشهد، وابتعدوا بشكل خاص عن المؤسسة العسكرية التي هي الضامن الحقيقي لقوة أي مرشح من المولاة، فخارج هذه المؤسسة لا يملك أي رجل من الموالاة ذلك الزخم والقوة الشعبية التي يمكن أن تؤازره في حكمه، ولذلك من الصعب على الموريتانيين تقبل مرشح من الموالاة لا ينتمي إلى المؤسسة العسكرية، وإن ترشح ونحج فسوف يبقى ضعيفا، وليست تجربة المرحوم سيدي ولد الشيخ عبد الله ببعيد.
وعلى مستوى المعارضة فقد انتهى عهد القواد التاريخيين الذين كان لهم حضور قوي، يجعل طوائف كثيرة من الشعب مطمئنة عند انتخابهم بأنها تضع زمام الأمور في يد قادرة على القيادة، كما أن المعارضة ضعفت كثيرا في عهد محمد ولد عبد العزيز بسبب الأخطاء، وبسبب الإضعاف المقصود، ثم أدت سياسة الانفتاح والاحتواء والمسالمة التي انتهجها الرئيس الحالي إلى عدم وجود فرصة لظهور رجل معارضة قوي ومقبول من قطاعات كبيرة ووازنة في البلاد.
هذا الفراغ القيادي هو الذي يجعل كثيرا من الموريتانيين قلقين على المستقبل، فصناديق الاقتراع لا تضمن أن ينتخب الشخص القادر على القيادة بحكمة وصرامة، وشواهد الواقع الواقع كثيرة في عالمنا اليوم، وكثيرا ما تتفكك التحالفات الهشة بعد أن توصل رئيسا إلى الحكم، ويبدأ كل طرف بالمطالبة بحصصته السياسية، وفي بلد هشّ مثل بلدنا يعيش تحديات كثيرة، ولا تزال مؤسساته الوطنية غير راسخة، ولم يتحقق الكثير من مطالب شعبه في المساواة والعدالة الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية، ويعيش معظم أبنائه تحت خط الفقر، ولحمته الاجتماعية مهددة بسبب موروثات تاريخية، وبسبب إرث إنساني ثقيل من عهد ولد الطايع، في هذا البلد، يحتاج المواطن اليوم إلى أن يتأكد من أن رئيسه القادم سيكون مدعوما بقوة شعبية وأمنية تجعله قادرا على حماية كيان الدولة وتعزيز الوحدة الوطنية ووضع البلاد على طريق تنموي يقضي على تلك الأزمات، أو على الأقل، قادرا على أن يمنع تدهور الأوضاع، لأنه إذا لم يكن قادرا على ذلك فسيفتح الباب أمام خلافات وانقسامات، قد تؤدي إلى اضطراب الأوضاع وانفراط عقد الدولة، وربما إلى حرب أهلية، ولا أحد في بلادنا يريد ذلك أو يتمناه.
لهذا الوضع بدأ جناح الموالاة مبكرا في استغلال الفرصة والترويج لتغيير الدستور من أجل مأمورية ثالثة للرئيس ولد الغزواني، وتأتي المؤتمرات واللقاءات الراهنة لحزب الإنصاف لحشد الدعم لهذا التوجه، وكذلك تصب زيارات ولد الغزواني لبعض ولايات الوطن ضمنيا في هذا الإطار، ومن المتوقع أن يكون ذلك في بداية عام 2028، بعد أن تكون الحكومة قد هيأت الظروف لذلك في ملفين على الأقل، هما: الملف القضائي المتعلق بحريق المحطتين، فصدور أحكام رادعة في حق المسؤولين عنه أفرادا وشركات يعطي علامة على جدية التوجه نحو محاربة الفساد، والملف الثاني هو ملف عصرنة نواكشوط، وبالأخص، الشق المتعلق بالصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار ونظافة المدينة وكهربائها، فهذه أزمات عميقة وطال أمدها، ولا بد من ظهور بوادر حلول جذرية لها.
سيكون تغيير الدستور سهلا لو قرر الرئيس إجراء استفتاء شعبي عليه، لكنّ من المرجح أنه لن يلجأ إلى الاستفتاء، لأنه قد أقسم على أن لا يسعى في تغيير مادة المأموريات في الدستور، وبدلا من ذلك سيكون تغييرها بمبادرة نواب المولاة، وضمنوا موافقة3/5 من نواب البرلمان، وضمنوا التفاف الشعب حول ذلك، ولن تكون هناك معارضة كبيرة لهذه الترتيبات في أوساط البيظان ولكور، لكنّ العقبة الكبرى في ذلك ستكون برام ولد الداه، لأنه يطمح للرئاسة ويحظى بشعبية كبيرة لدى شريحة واسعة من المواطنين، ولا يريد لأي شيء أن يعيق مسيرته نحو الرئاسة، لكنّ برام أيضا ذكي ومحنك، وقد أدرك أخيرا أنه لن يصل إلى الرئاسة إلا إذا كسب أصوات غالبية البيظان الذين هم حقيقة الأغلبية، وهم الذين يسيطرون على أزمة الدولة، وقد بدأ منذ بعض الوقت يغير خطابه الذي كان متطرفا، وبدأ يكسب تعاطفا من البيظان، لكنه يدرك أن ذلك يحتاج إلى وقت، وعليه فقد يقبل بصفقة من نوع ما تقوي مركزه خلال العقد القادم وتعده لخلافة ولد الغزواني









