أخبار اليوم. أحياناً، لا تكمن أهمية التعديل الوزاري في الأسماء التي تدخل الحكومة أو تغادرها فحسب، بل في الأسئلة التي يفتحها أمام البلد والنخبة السياسية. والتعديل الأخير الذي أجراه فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني يستحق، في تقديري، أن يُقرأ من هذه الزاوية أيضاً.
لقد غادرت الحكومة شخصيات شغلت مواقع مهمة، ودخلت وجوه جديدة، وأُعيد ترتيب بعض المسؤوليات. وبينما انشغلت القراءات المختلفة بتفسير هذه التغييرات وأسبابها، أرى أن من المفيد أن نذهب بالنقاش إلى أبعد من اللحظة الراهنة، وأن نطرح سؤالاً يتعلق بمستقبل موريتانيا: هل حان الوقت لكي نبدأ التفكير بجدية في إعداد المرحلة المقبلة؟
لا أقول إن التعديل الوزاري كان بالضرورة بداية لإعداد خليفة للرئيس، فليس لدينا ما يثبت ذلك. لكنني أرى فيه مناسبة لفتح نقاش وطني حول تجديد النخب، وتداول المسؤوليات، وإعداد كفاءات قادرة على تحمل أعباء الدولة مستقبلاً.
أمام فخامة الرئيس نحو أربعة وثلاثين شهراً حتى نهاية مأموريته الحالية في أغسطس 2029. وهي مدة ينبغي أن تُستثمر أولاً في استكمال البرنامج الحكومي وتحقيق تطلعات المواطنين، لكنها تتيح أيضاً فرصة للتفكير في كيفية ضمان استمرارية الدولة واستعدادها للمرحلة التالية.
ومن هنا أطرح على النخبة الموريتانية فكرة أعتقد أنها تستحق النقاش: لماذا لا نبدأ من الآن في التعرف على الكفاءات الوطنية المؤهلة، ونعمل على إعدادها وتوسيع خبرتها في إدارة الملفات الكبرى، حتى تكون البلاد مستعدة عندما يحين موعد الاستحقاق الرئاسي؟
لا أقصد أن يختار الرئيس خليفة له، ولا أن تُحسم الرئاسة داخل دوائر مغلقة. فاختيار الرئيس المقبل حق للشعب الموريتاني، يمارسه وفق الدستور والقانون. إنما أقصد أن نخرج من عادة الانتظار حتى تقترب الانتخابات، ثم نبدأ البحث عن الأشخاص والبرامج والتحالفات، إلى نهج أكثر استعداداً للمستقبل.
فإدارة الدولة ليست مجرد حضور سياسي أو قدرة على الخطابة. إنها معرفة بالمؤسسات، وخبرة في اتخاذ القرار، وفهم للاقتصاد والأمن والعلاقات الخارجية، وقدرة على التعامل مع الأزمات والتوازنات الاجتماعية. وهذه أمور لا تُكتسب في موسم انتخابي قصير، بل تحتاج إلى تجربة وتكوين واحتكاك مستمر بمسؤوليات الدولة.
وفخامة الرئيس، بحكم تجربته الطويلة، يعرف أهمية إعداد الرجال للمسؤوليات الكبرى. ولذلك يمكن أن تشكل السنوات المتبقية فرصة لتشجيع مسار وطني جاد يتيح للكفاءات المؤهلة تطوير قدراتها، من خلال العمل المؤسسي والتكوين المتخصص وتبادل الخبرات، بعيداً عن الاستعراض والتنافس المبكر على المناصب.
وهناك جانب آخر لا يقل أهمية. فكلما اقتربت نهاية المأمورية، ازدادت التكهنات حول الأسماء والطموحات والتحالفات، وقد ينشغل بعض المسؤولين بحسابات المرحلة المقبلة قبل أن يكملوا مسؤولياتهم الحالية. أما إذا بدأ النقاش مبكراً حول مواصفات القيادة وكفاءات الدولة، مع ترك الحكومة تعمل وفق برنامجها، فإن ذلك قد يساعد على تخفيف التوتر السياسي ومنح المؤسسات فرصة أكبر للتركيز على الإنجاز.
أما مسألة الثقة التي يثيرها البعض عند الحديث عن انتقال السلطة، فأعتقد أن من المهم تناولها بعقلانية. فمن الطبيعي أن تكون الثقة عاملاً في الحياة السياسية، لكن مستقبل الدولة لا ينبغي أن يقوم على البحث عن شخص يضمن الحماية لشخص آخر. الضمان الحقيقي هو دولة القانون، وقضاء مستقل، ومؤسسات تحمي الحقوق، ومساءلة عادلة لا تتحول إلى انتقام أو تصفية حسابات.
وأنا، من موقعي السياسي، أثق في فخامة الرئيس، وأرى أن النقاش حول المستقبل ينبغي أن ينطلق من الثقة في مؤسسات البلاد وفي قدرة الموريتانيين على تنظيم انتقالهم السياسي بصورة مسؤولة. فالمطلوب ليس البحث عن الأقرب إلى الرئيس، بل عن الكفاءات التي تستطيع خدمة موريتانيا وتحظى بثقة شعبها.
لذلك أقترح أن تبدأ النخبة السياسية والفكرية، بالتعاون مع مراكز الدراسات والجامعات والجهات المعنية، نقاشاً عملياً حول مواصفات رجل الدولة الذي تحتاجه موريتانيا في المرحلة المقبلة، وحول السبل التي يمكن من خلالها تأهيل الكفاءات الوطنية، وتطوير خبرتها في مجالات الحكم والإدارة والدبلوماسية والاقتصاد والأمن. ويمكن أن يفضي هذا النقاش إلى توصيات واضحة تخدم الدولة، بصرف النظر عن أسماء المرشحين أو اتجاهاتهم السياسية.
إن أمامنا نحو أربعة وثلاثين شهراً، وهي مدة كافية للعمل والإنجاز والاستعداد في آن واحد. فلنترك للحكومة الوقت اللازم لاستكمال برنامجها، ولنعطِ النخبة فرصة للتفكير في المستقبل، ولنحافظ على حق الشعب في اختيار رئيسه عندما يحين الموعد الدستوري.
في النهاية، لا ينبغي أن يكون السؤال الذي يشغلنا اليوم هو: من سيأتي بعد الرئيس الغزواني؟ بل كيف نجعل موريتانيا أكثر استعداداً للمرحلة المقبلة، أياً كان من يختاره الشعب لقيادتها؟
فالمأموريات تنتهي، والحكومات تتغير، والأسماء تتبدل، لكن الدولة يجب أن تستمر. وربما يكون من أهم ما يمكن أن تتركه أي مرحلة سياسية ناجحة مؤسسات قوية، وكفاءات مؤهلة، وثقافة سياسية تجعل انتقال السلطة أمراً طبيعياً لا مناسبة للخوف أو الصراع.
ذلك هو النقاش الذي أرى أن الوقت قد حان لبدئه، بعيداً عن الاستعجال وتداول الأسماء، وبروح المسؤولية تجاه مستقبل موريتانيا









