أخبار اليوم. يبدو، وفق ما تتداوله بعض المواقع والحسابات، أن تقرير اللجنة المكلفة بالتحقيق في حريقي محطات الكهرباء بنواكشوط بات جاهزًا. لكن السؤال الجوهري لم يعد يقتصر على ما يتضمنه التقرير، بل يمتد إلى مدى استقلالية اللجنة، وحياد نتائجها، وضمان نشرها كاملة دون حذف أو انتقائية.
فهل سيُنشر التقرير كما انتهت إليه اللجنة، متضمنًا الوقائع والأسباب والمسؤوليات، أم سيمر عبر دهاليز الإدارة ليُعاد تشكيله، وتُخفَّف فيه المسؤوليات، وتُحجب منه الأسماء حمايةً لأصحاب النفوذ؟
لجنة التحقيق بين كشف الحقيقة وتدوير المسؤولية
الأصل في لجان التحقيق أن تكون أداةً لكشف الحقيقة، لا وسيلةً لاحتواء الأزمات؛ وأن تستقصي الوقائع باستقلالية وحياد، بعيدًا عن الضغوط السياسية والإدارية، وأن تحدد المسؤوليات بناءً على الأدلة، لا على موازين النفوذ.
ولا تتحقق هذه الغاية بمجرد تشكيل لجنة أو إعلان بدء التحقيق، بل بتوفير الضمانات التي تكفل استقلالها، وتمكّنها من الوصول إلى الوثائق والشهود، وتمنحها حرية فحص القرارات والعقود والإجراءات ذات الصلة، دون تدخل من أي جهة قد تكون محل مساءلة.
كما تقتضي المهنية والموضوعية الفصل بين جمع الأدلة وتقييمها، وبين إصدار الأحكام المسبقة؛ فالمطلوب ليس إدانة أشخاص قبل ثبوت مسؤوليتهم، ولا تبرئة آخرين بفعل نفوذهم، بل الوصول إلى نتائج موثقة، تتيح للرأي العام فهم ما حدث، وتحدد للمؤسسات المختصة ما ينبغي اتخاذه من إجراءات.
فالاستقلالية ليست امتيازًا تمنحه الإدارة للجنة، بل شرطٌ أساسي لمصداقية التحقيق، والحياد ليس شعارًا يُرفع، بل منهجٌ يُقاس بسلامة الإجراءات وشفافية النتائج.
من يتحمل مسؤولية الحريق؟
لا نار بلا دخان، لكن الدخان وحده لا يكشف أسباب الحريق، ولا يحدد المسؤول عنه. وحدها الأدلة والتحقيقات الجادة تستطيع الإجابة عن الأسئلة التي ينتظرها المواطنون: كيف وقع الحريق؟ وهل كانت هناك اختلالات فنية أو إدارية؟ وهل احترمت إجراءات الصيانة والسلامة وشروط الصفقات؟ ومن يتحمل المسؤولية، إن ثبت وجود تقصير أو مخالفة؟
وهنا يكمن الاختبار الحقيقي للجنة: هل ستكشف الوقائع كاملة، وتحدد أوجه الخلل والمسؤوليات وفق الأدلة، أم سنكون أمام تقرير فضفاض، يكتفي بوصف الأعطاب والاختلالات دون تسمية المسؤوليات، وينتهي إلى توصيات عامة لا تترتب عليها نتائج ملموسة؟
وهل ستظل صفحات التقرير مفتوحة أمام الحقيقة، أم ستمتد إليها «عصا تنش عليها» وشيء من «تسبيح الحجاب»، حتى لا تسقط الرؤوس التي أينعت، ولا يخرج من الحريق إلا الدخان؟
إن أخطر ما يمكن أن تنتهي إليه لجان التحقيق ليس مجرد تقرير ناقص، بل تكريس الاعتقاد بأن تشكيل اللجان قد أصبح بديلًا عن المحاسبة، وأن امتصاص الغضب العام أهم من معالجة أسباب الأزمات ومنع تكرارها.
استقالة الحكومة وعودة ولد اجاي: تغيير أم إعادة تدوير؟
تأتي استقالة الحكومة وعودة الوزير الأول المختار ولد اجاي لتفتحا بابًا إضافيًا للتساؤل عن طبيعة التغيير المنتظر: هل نحن أمام مراجعة حقيقية للأداء الحكومي، تفرضها الإخفاقات وتستهدف تصحيح الاختلالات، أم أمام إعادة تدوير للمناصب والوجوه، هدفها احتواء الاحتقان السياسي وإبعاد الأنظار عن الأسئلة الأكثر إلحاحًا؟
لا تكفي استقالة حكومة لإثبات وجود إرادة للمحاسبة، كما أن إعادة تكليف الوزير الأول لا تعني، في حد ذاتها، غيابها. فالمعيار هو ما ستكشفه القرارات والإجراءات اللاحقة: هل ستُراجع أوجه القصور؟ وهل ستُحدد المسؤوليات؟ وهل ستُترجم نتائج التحقيق إلى إصلاحات فعلية، أم سيظل تغيير التشكيلات الحكومية بديلًا عن مساءلة المسؤولين عن الإخفاقات؟
فالمحاسبة لا تتحقق بتغيير العناوين، ولا تستعاد الثقة بتدوير المناصب، وإنما بمواجهة الوقائع، وتصحيح الاختلالات، وترتيب المسؤوليات على أساس القانون والكفاءة والنزاهة.
الحقيقة أولًا.. والمحاسبة دون استثناء
الرأي العام لا ينتظر مزيدًا من الدخان السياسي، بل يريد الحقيقة كاملة، في حدود ما تسمح به مقتضيات القانون: تقريرًا واضحًا، ونتائج معللة، ومسؤوليات محددة، وإجراءات معلنة لمنع تكرار ما حدث.
ومن مقتضيات الشفافية أن تُنشر نتائج التحقيق وأسبابها الأساسية، مع احترام قرينة البراءة والحقوق القانونية للأشخاص المعنيين، وألا تتحول سرية الإجراءات، حيث تكون مبررة قانونًا، إلى ذريعة لحجب النتائج عن المواطنين.
أما إذا انتهى التحقيق إلى تقرير لا يوضح أسباب الحريق، ولا يحدد أوجه الخلل، ولا يبين المسؤوليات، فإن صدوره لن يطوي الملف، بل قد يفتح الباب أمام مزيد من الشكوك والتساؤلات.
إن لجنة التحقيق الجادة لا تُقاس بما تصدره من صفحات، بل بما تكشفه من حقائق؛ ولا بمقدار ما تحدثه من ضجيج، بل بمدى استقلاليتها وحيادها وقدرتها على وضع الوقائع أمام الجهات المختصة والرأي العام.
فالحقيقة لا يحجبها الضجيج، والمحاسبة لا تحققها اللجان وحدها، وثقة المواطنين لا تُستعاد بالوعود ولا بتدوير المناصب، بل بتحقيق مستقل، ونتائج شفافة، ومساءلة عادلة لا تستثني أحدًا بسبب موقعه أو نفوذه.









