من موريتانيا إلى فرنسا: رحلة الباحثين عن النيازك في قلب الصحراء

أخبار اليوم.  في ليلة من ليالي رمضان، تلقّى الزبير، وهو راعٍ موريتاني، مكالمة هاتفية من أحد أقاربه يحذّره من “صوت مدوٍّ” قادم من الصحراء، تبعه وميض ثم انفجار. وبعد نحو عشرين دقيقة، كان الزبير قد انطلق برفقة عدد من الرعاة في رحلة بحث عن شظايا نيزك، قضوا فيها ما يقارب عشرة أيام.
وفي مشهد يبدو غريباً على بساطة الحياة الرعوية، تحوّل هؤلاء الرحّل من حرّاس للقطعان إلى باحثين عن حجارة سوداء صغيرة، هي بقايا نيازك تبعد ملايين الكيلومترات عن الأرض.

الصحراء الكبرى.. خزان النيازك الأغنى في العالم

لأن هذه الظاهرة لم تعد مجرد حدث عابر، فإن الصحراء الكبرى تُعدّ إحدى أغنى مناطق العالم بالشظايا النيزكية. فعندما يعبر جسم فضائي سماء المنطقة، يحترق جزء منه في الغلاف الجوي، بينما يصل جزء آخر إلى سطح الأرض. ويُقدَّر ما يسقط سنوياً على الأرض بنحو 10 آلاف طن من المواد النيزكية، يتركز جزء كبير منها في هذه المنطقة الصحراوية. ويقدّر العلماء احتمال العثور على نيزك واحد في كل كيلومتر مربع. وفي موريتانيا، كما في مناطق صحراوية أخرى، يسهّل غياب الغطاء النباتي ولون الرمال الفاتح مهمة العثور على هذه القطع، بينما يساعد المناخ الجاف في الحفاظ عليها سليمة لآلاف السنين.
ونتيجة لذلك، تخصّص بعض الرحّل في البحث عن هذه “الحجارة الثمينة” لتعويض مداخيلهم، إذ يبيعونها في الأسواق بأسعار تتراوح بين 50 و200 يورو، وقد تبلغ قيمة القطع النادرة أكثر من ذلك بكثير. ومع ذلك، يواصل كثيرون منهم نشاطهم في الرعي أو النقل أو السياحة، بينما يغامر آخرون، مثل الزبير، برحلات تمتد لأسابيع في بحر من الرمال بحثاً عن صخرة قد تحمل قيمة أكبر.

رحلة النيزك: من يد الجامع إلى مختبر العلم

عندما يعثر هؤلاء الرحّل على قطعة، يقترح الزبير إرسالها إلى جان ريدلسبيرغر، وهو جامع فرنسي يمتلك مئات القطع النيزكية من مختلف أنحاء العالم. وبعد فحص أولي، يحوّل ريدلسبيرغر بعضاً منها إلى جيروم غاتّاتشيكا، باحث في المركز الوطني للبحث العلمي في إيكس-أون-بروفانس بفرنسا، الذي يؤكد أصالتها ويصنّفها وفق تحاليل معدنية. ويرسل جامعون آخرون، من أمثال موريس، قطعاً صغيرة إلى المختبر لتعزيز البحث العلمي. وفي هذا السياق، وبعد ليلة في الصحراء الموريتانية، يستيقظ الزبير ورفاقه مع أولى خيوط الفجر، ويستعدون للرحيل: تجهيز الجمال، ترتيب الأمتعة، وتحديد الاتجاه قبل أن تشتد حرارة النهار، لتبدأ القافلة رحلتها بحثاً عن نيزك آخر.
ويفحص بوكاري، أحد أفراد المجموعة، صخرة باستخدام المغناطيس، وهي تقنية يعتمدها الصيادون للتمييز بين النيزك والصخور الأرضية، إذ إن معظم النيازك تحتوي على الحديد. لكن هذه الطريقة وحدها لا تكفي؛ فالتحليل العلمي يبقى الوسيلة الوحيدة للتأكد من الطبيعة النيزكية للعينة، خاصة في ظل غياب أي بنية وطنية للتصنيف في موريتانيا.

وفي هذا الإطار، يحتفظ جان ريدلسبيرغر في فيلفوربان بفرنسا بمئات النيازك من مختلف أنحاء العالم، ويتلقى بعضها عبر البريد من أشخاص مثل موريس، الذي يستعين بمعارفه وأدواته لتحديد الصخور المحتملة قبل إرسالها إلى العلماء للتحليل. وقد تدخل هذه الصخرة قريباً ضمن مجموعة ريدلسبيرغر، وهي قطعة من نيزك “سيكهوت-ألين” الذي سقط في 12 فبراير 1947 في سيبيريا، وكان من أكبر تساقطات النيازك التي شوهدت في العصر الحديث. ومثل هذه القطع نادرة جداً، لأن كثيراً من الصخور التي يعثر عليها الناس تتبين في النهاية أنها حجارة عادية.

وفي مختبر المركز الوطني للبحث العلمي في إيكس-أون-بروفانس، يدرس جيروم غاتّاتشيكا هذه النيازك بالتعاون مع ستة جامعين فرنسيين، من بينهم جان ريدلسبيرغر، الذي يوفّر له عيّنة من كل نيزك. ويستعين الباحث بآلة لقياس المغناطيسية المتبقية في الصخور، للحصول على مؤشرات حول تاريخها، وعلى معلومات أوسع حول تشكّل النظام الشمسي والكويكبات. وبمساعدة شفرة رقيقة ومسطرة، يقتطع غاتّاتشيكا قطعة صغيرة من نيزك موريتاني لتمثيل العينة بدقة، ثم يغلفها ويرسلها إلى فريق آخر لفحصها تحت المجهر وتحليل بنيتها.
وفي المختبر، يحفظ العالم قطعاً من نيازك مكتشفة في مناطق عدة حول العالم، وكل قطعة موثّقة ومحللة منذ العثور عليها، سواء تبيّن أنها “كوندريت عادي” أو من نوع آخر أندر، قد تُدرج في مجموعة الجمعية النيزكية، وهي جمعية علمية أمريكية تأسست عام 1933، والتي يعمل فيها غاتّاتشيكا عضواً. وتحت المجهر، تُظهر قطعة من نيزك “نيم 001″، المكتشف في موريتانيا عام 2021، تفاصيل دقيقة. ويسعى الباحثون إلى تحديد أصل هذه النيازك من خلال دراسة تاريخها، فكل تفصيل في فسيفساء المعادن هذه قد يساعد في تحديد نوع النيزك الذي تنتمي إليه، وهي خطوة أساسية في تصنيفه العلمي. ويحتفظ جيروم غاتّاتشيكا بقطعة من نيزك “أدليت” الحديدي، الذي اكتُشفت عدة أطنان منه في الصين في نهاية القرن التاسع عشر. وكل قطعة تشارك في تصنيف نحو 400 نيزك. ويدعو كثير من الباحثين اليوم إلى حماية أفضل لهذه الكنوز.

  • Related Posts

    المدير العام السابق لـ “صوملك” سيدي ولد سالم يرد على تقرير “لجنة التحقيق” ويثير أسئلة حول صفقة الكابلات

    أخبار اليوم.   في أول رد فعل من المسؤولين الواردة أسمائهم في تقرير لجنة التحقيق في قضية “حريق المحطتين” أصدر المدير العام السابق لشركة «صوملك»، الدكتور سيدي سالم ، بيانا توضيحيا…

    اقرأ المزيد

    أوروبا وسؤال الهوية / د. السيد ولد أباه

    أخبار اليوم.  خلال رحلته الأخيرة في فرنسا، حذّر بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر المجتمعات الأوروبية من الانغلاق في النزعات الهوياتية الضيقة التي تدافع عنها الحركات الشعبوية اليمينية الصاعدة، مذكراً بأن…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    • أبريل 27, 2026
    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    • أبريل 19, 2026
    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    • مارس 25, 2026
    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    • يناير 11, 2026
    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    الحوار الوطني والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    • يناير 6, 2026
    الحوار الوطني  والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    • يناير 5, 2026
    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية