زيارة رئيس الجمهورية لولاية آدرار: بين رهبة اللحظة وتكليف المآل / سيدنا ولد السبتي

أخبار اليوم.   لم تكن زيارة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني لولاية آدرار مجرد إيفاء ببروتوكول سلطوي أو طوفان خاطف في أروقة الإقليم ينقضي بانقضاء موكبه وتهاوي صدى أصهاله  بل كانت محطة استحقاق يتقاطع فيها وجه الدولة العميق بنبض ولاية ضاربة في أطناب التاريخ. كانت الزيارة سقف مكاشفة يضع الهرم المباشر للسلطة أمام عين الحقيقة، ويتيح لساكنة هذا الإقليم الأشم أن يرفعوا مظالمهم ومطالبهم حرى غير منقوصة إلى سدة القرار.

وإذا كان العرف والشهامة يقتضيان أن تستقبل آدرار ضيفها بما يتكافأ مع مهابة رمزيتها ووقار مقامه، وأن تحتفي بالبشائر التنموية والمشاريع المرتقبة، فإن مقتضى الصرامة التحليلية يشترط الخروج فورا من خدر الاحتفاء ولغط الترحيب لارتكاز السؤال الأكثر إلحاحاً وعرامة: هل نجحنا في تمثيل آدرار على حقيقتها، أم قدمنا للرئيس مجرد صنيعة بصرية مزوقة لما نهوى أن تقع عليه عيناه؟

عذر الناصحين: تشخيص الخلل أم تجميل الواقع؟

إن هذا السؤال النافذ لا ينبغي أن يُرمى به في ساحة رئيس الجمهورية، بل هو سهم نقد صريح يرمى به في ساحة النخب المحلية، والمنتخبين، والأطر، والمدبرين للشأن العام في الولاية. فالقائد لا يملك أن يحيط علما بداء لم يرفعه إليه حاملوه، ولا أن يطرد ضيما عن أطراف لم يستبسل أهلها في إبانته، ولا أن يتخلل بأنه الاختلالات الثاوية خلف سرادقات الزينة وأهازيج التجميل.

من هنا تتجلى الموالاة الحقيقية في تجردها العريان: إن الموالاة الصادقة ليست هتافا أعمى يزعم للرئيس أن كل شيء على ما يرام، بل هي الجسارة الأخلاقية والسياسية التي تمسك بيده نحو مكامن الداء وتدله على موضع المشرط. لقد وطئ الرئيس أرض آدرار محفوفا بالمشاريع، ولكن بواحد من أسمى مقاصد الحكم: أن يستمع. بيد أن فضيلة الاستماع تفقد مغزاها التنموي والسياسي متى ما تحولت الزيارة إلى مضمار تزاحم بين الذوات والمجموعات  تباريا على خطف الأنظار، واستلاب التغطيات، واقتناص الخطوة أدنى المنصة الرئاسية.

البوصلة المطلقة: الولاية فوق الذوات والحسابات

تقتضي الحقائق الصارخة في إقليم آدرار التسامي عن أوهام الذاتية والارتقاء إلى حجية الواقع:

آدرار بصلابتها التاريخية وثقلها التليد أكبر من أن تسخر لطموحات الأفراد ونزواتهم.
شنقيط بمنارتها الهادية وإرثها العابر للأزمان أكبر من الخصومات الضيقة والنوازل العابرة.
أطار بحيويتها وموقعها الثقيل أكبر من المناورات الانتخابية التكتيكية.
وادان وأوجفت بشموخ نخلها وصبر أهاليها أكبر من أن تختزل كبرياؤهما في لافتة بلاستيكية أو صورة ترحيب خاطفة.
لقد آن الأوان لانتزاع الخطاب من مستنقعه السطحي الداعي للبحث عن “من تصدر الموكب ومن استقبل ؟”، وقذفه نحو مداره المصيري الصحيح: “ماذا يريد آدرار، إنسانا وأرضا، من رئيس الجمهورية؟”

إن الجواب الشافي لا يتطلب سفارة؛ فالناس يبغون:

تنمية مستدامة تجتث العجز من جذوره ولا تكتفي بالمسكنات المقتطعة.
فرص تمكين حقيقية للشباب تحصنهم ضد الهجرة وتستنقذ طاقاتهم من الهدر.
استثماراً سياحيا ساختارا وممتدا يستنفد طاقات الإقليم ولا ينكمش في مواسم شاحبة.
دعم حيويا للواحات وشرايين الزراعة يسترد للمدرة عطاءها أمام الجفاف.
بنية خدمية صلبة فكا للعزلة عن مناطق الإنتاج وتأميناً للماء والكهرباء والاستشفاء.
وفي شنقيط على وجه الخصوص، لا يجوز أن يظل العقل التنموي مرتهنا لطقوس “موسم الگيطنة” أو شواهد السياحة العابرة، ليقف الجميع بعد انقضائهما ذهولا أمام ظاهرة نزيف الشباب وركود الشرايين الاقتصادية طيلة العام! تلك هي القضايا الصلبة التي يجب أن تشغل العقول والضمائر غداة رحيل الموكب.

المحك العدل: الاختبار الحقيقي بعد المغادرة

لقد انقضت الزيارة، وأفضى الرئيس بما عنده من التزامات وبشائر تنموية، غير أن التكليف الحقيقي لم يبرح ساحة أبناء الولاية ونخبها.

إن وازع الوطنية يفرض على الموالاة أن تكون الجدار الصامد لتحقيق مشروع الدولة، لا الغطاء الذي يستتر به على موضع الخلل. كما يملي على المعارضة والنقد البناء طرح البدائل المجسدة وتجاوز النزوع العدمي الذي يضع كل إنجاز في دائرة الاتهام. وبين هاتين الرؤيتين، يجب أن تظل مصلحة آدرار العليا هي القطب والمعدن.

إن المعيار الوحيد لتقييم الحدث لا يقاس بحجم التجمهر ولا بنصاعة الشعارات، بل بمرحلة النفاذ والمتابعة:

فإن تجسدت الوعود واقعاً شاخصا في يوميات الناس ، فذلك الفوز والمكسب للرئيس وحكومته ولأهل الولاية جميعاً.
وإن نالها التعثر وابتلعتها أدراج البيروقراطية، فإن أول من ينبغي أن يُحمل المساءلة جهارا هم سدنة الملفات والمؤتمنون على متابعة المشاريع محليا.
إن أسمى صور الوفاء لزيارة رئيس الجمهورية لا تكمن في إبقاء الصور مثبتة على جدران أطار وشنقيط، بل في بث أثر هذه الزيارة حيا في تفاصيل حياة المواطن. لقد زار الرئيس، واستمع، وأعلن؛ وبدأت الآن المهمة الأعتى والأنبل: أن نجعل من هذه الزيارة نقطة انطلاق لورشة عمل لا تنتهي، لا ختاما لكرنفال احتفالي وانقضى.

سيدنا ولد السبتي

  • Related Posts

    لبراكنة: وزير الزراعة والسيادة الغذائية يتفقد مشروع «الركبة» الزراعي في دار البركة

    أخبار اليوم.  أدى وزير الزراعة والسيادة الغذائية، السيد محمدو أحمدو امحيميد، اليوم الأحد، زيارة تفقد واطلاع لمشروع «الركبة» الزراعي، الواقع في بلدية دار البركة التابعة لمركز دار البركة الإداري بولاية…

    اقرأ المزيد

    المعاش في موريتانيا.. / بقلم عبد الله البخاري

    أخبار اليوم.   يعد حق المعاش من أهم الحقوق الاجتماعية التي يكفلها نظام الضمان الاجتماعي للعمال المشمولين به في موريتانيا، باعتباره ضمانة أساسية للعامل وأسرته بعد انتهاء حياته المهنية، أو في…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    • أبريل 27, 2026
    حكمة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تصون موريتانيا من الانزلاق إلى المجهول

    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    • أبريل 19, 2026
    معًا على درب الشهداء… حين يصبح الوفاء مشروعَ وحدةٍ لا مجردَ ذكرى

    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    • مارس 25, 2026
    وفد عسكري أسباني يختتم زيارة لموريتانيا

    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    • يناير 11, 2026
    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    الحوار الوطني والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    • يناير 6, 2026
    الحوار الوطني  والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    • يناير 5, 2026
    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية