أخباراليوم. «”ليست قوة الدول فيما تملكه من ثروات، وإنما فيما تؤمن به من قيم، وفي مقدمة تلك القيم أن يكون القانون فوق الجميع، وأن تكون الكفاءة طريق الجميع.”»
لم يكن سؤال العدالة، في أي مرحلة من تاريخ الفكر الإنساني، سؤالاً بسيطاً. فالعدل لا يعني أن يتساوى الناس في كل شيء، كما لا يعني أن يُتركوا جميعاً في ميدان واحد، رغم اختلاف ظروف انطلاقهم. وبين هذين الحدين نشأ مفهوم التمييز الإيجابي بوصفه محاولة لتحقيق الإنصاف، لا بإلغاء مبدأ الاستحقاق، وإنما بإزالة العوائق التي تحول دون وصول الجميع إلى نقطة البداية نفسها.
غير أن الأفكار العظيمة قد تتحول، إذا أسيء تنزيلها على الواقع، إلى نتائج تناقض الغاية التي وُجدت من أجلها. فالتمييز الإيجابي قد يصبح وسيلة لتحقيق العدالة، وقد يتحول، في المقابل، إلى باب جديد للشعور بالظلم إذا فقد صلته بالكفاءة، أو أصبح بديلاً دائماً عن المنافسة.
هذه هي الإشكالية التي تواجهها موريتانيا اليوم، وهي تحاول إصلاح نظامها التعليمي، بعد عقود من التعثر، في بيئة اجتماعية ما تزال مثقلة برواسب التاريخ، ومكبلة بقيود القبيلة، والطبقة، والجهة، وضعف المؤسسات.
لقد أدركت الدولة، بعد سنوات من المحاولات غير الموفقة، أن المدرسة العمومية لم تعد قادرة على إنتاج النخبة العلمية التي يتطلبها المستقبل، فأنشأت مدارس وثانويات الامتياز، والثانوية النموذجية، والثانوية العسكرية، تقوم جميعها على الانتقاء الأكاديمي، وتوفر بيئة تعليمية أفضل، ومدرسين مختارين، وحوافز مالية، وعدداً محدوداً من التلاميذ داخل الفصل.
ولا شك أن هذه التجربة تمثل اعترافاً صريحاً بأن التفوق قيمة ينبغي أن تُصان، وأن الاستثمار في العقول ليس ترفاً، بل ضرورة وطنية.
لكن السؤال الحقيقي لا يتعلق بوجود مدارس للامتياز، وإنما يتعلق بمصير بقية المدارس.
فليس من الحكمة أن نبني جزرًا تعليمية متقدمة وسط بحر من التراجع، لأن المدرسة ليست مصنعاً لإنتاج المتفوقين وحدهم، وإنما هي المؤسسة التي تصنع المجتمع نفسه.
إن المدرسة العمومية كانت، في كل التجارب الناجحة، الأداة التي صهرت أبناء المجتمع داخل بوتقة وطنية واحدة. ففيها يكتشف الطفل أن زميله لا يُقاس بقبيلته ولا بلونه ولا بثراء أسرته، وإنما بما يبذله من جهد. ومن هنا كانت المدرسة أحد أهم أدوات بناء الدولة الحديثة.
ولذلك فإن أخطر ما قد يصيب التعليم ليس ضعف مستواه فحسب، بل فقدانه لدوره في صناعة المواطنة.
وموريتانيا، أكثر من غيرها، بحاجة إلى هذا الدور. فهي ما تزال تعيش آثار الرق، والتراتبية الاجتماعية، والتفاوت الاقتصادي، كما تعيش انقساماً غذته المحاصصة، وأضعفته الولاءات الضيقة، حتى أصبح الانتماء إلى الجماعة، في كثير من الأحيان، أقوى من الانتماء إلى الوطن.
ومن هنا، فإن إصلاح التعليم لا ينبغي أن يقتصر على تحسين النتائج الدراسية، وإنما يجب أن يهدف، قبل ذلك، إلى إعادة بناء الإنسان الموريتاني بوصفه مواطناً متساوياً في الحقوق والواجبات.
وفي هذا السياق، اتجهت السلطات إلى اعتماد ما عُرف بالتمييز الإيجابي، من خلال إدماج عدد من أبناء الأسر الأكثر فقراً، والمسجلين في السجل الاجتماعي، داخل مدارس الامتياز، مع منحهم دعماً مالياً، وتخصيص منح لآخرين لم يلتحقوا بهذه المؤسسات.
ولا خلاف، من حيث المبدأ، على أن محاربة الفقر واجب أخلاقي وسياسي، وأن المجتمع الذي يترك أبناءه أسرى للهشاشة إنما يحكم على نفسه بإعادة إنتاج التخلف.
غير أن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح بهدوء هو: هل يبدأ الإنصاف عند نهاية الطريق أم عند بدايته؟
إذا كان الطفل الفقير قد تلقى تعليماً ضعيفاً، ودرس في مدرسة تفتقر إلى المدرسين والوسائل، ثم تدخلت الدولة عند آخر محطة لتعويض ما فاتها في أول الطريق، فإنها لا تكون قد عالجت أصل المشكلة، وإنما عالجت بعض نتائجها.
فالعدالة الحقيقية لا تعني منح امتيازات استثنائية، وإنما تعني أن نجعل المدرسة التي يدرس فيها ابن الفقير تضاهي، في جودتها، المدرسة التي يدرس فيها ابن الغني. عندها تصبح المنافسة عادلة، ويصبح النجاح ثمرة للكفاءة، لا للوضع الاجتماعي.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي نظام تعليمي هو أن تتراجع الثقة في معيار الاستحقاق. فإذا شعر المجتهد أن اجتهاده لم يعد المعيار الحاسم، وشعر الفقير أن الدعم المؤقت لا يغير واقعه، فإن الطرفين يخسران معاً، وتخسر الدولة قبلهما.
ولذلك فإن التمييز الإيجابي ينبغي أن يظل سياسة انتقالية، لا فلسفة دائمة، لأنه لا توجد أمة نهضت بالاستثناءات، وإنما نهضت حين جعلت القاعدة العامة عادلة للجميع.
ولا يقف الأمر عند التعليم.
فقد اتجهت الدولة، خلال العقود الأخيرة، إلى إنشاء مفوضيات وهيئات متعددة، تُعنى بحقوق الإنسان، ومحاربة التعذيب، وتعزيز الحوكمة، وغيرها من المؤسسات.
غير أن التجارب الإنسانية تؤكد أن كثرة الهيئات ليست دليلاً على قوة الدولة، كما أن كثرة القوانين ليست دليلاً على سيادة القانون.
إن الدولة القانونية لا تُقاس بعدد مؤسساتها، وإنما بقدرتها على تطبيق القانون على الجميع، دون استثناء أو تمييز.
فحيث يوجد قضاء مستقل، وإدارة نزيهة، وتعليم جيد، تصبح الهيئات المساندة أقل حاجة. أما حين تغيب هذه الأسس، فإن المؤسسات تتحول، في كثير من الأحيان، إلى محاولة لمعالجة أعراض المرض، بينما يبقى المرض نفسه مقيماً في الجسد.
إن أزمة موريتانيا، في جوهرها، ليست أزمة تعليم فقط، ولا أزمة اقتصاد فقط، وإنما هي أزمة بناء دولة.
فلا تزال البنى التقليدية تمارس تأثيراً واسعاً على المجال العام، ولا تزال شبكات النفوذ والمصالح قادرة على إضعاف المؤسسات، كما أن الفساد ظل، لعقود، يلتهم الموارد التي كان يفترض أن تُوجه إلى المدرسة، والمستشفى، والبنية التحتية.
ولا يمكن إنكار أن بلادنا تحمل مظالم تاريخية حقيقية، بعضها يعود إلى آثار الرق، وبعضها إلى التفاوت الطبقي، وبعضها إلى اختلالات صاحبت بناء الدولة الوطنية. وهذه المظالم لا يجوز إنكارها، كما لا يجوز استغلالها سياسياً أو تحويلها إلى وسيلة لإنتاج انقسامات جديدة.
فالغاية ليست أن ننتصر لفئة على حساب أخرى، وإنما أن ننتصر للوطن على حساب كل أشكال التمييز.
إن الدولة التي تُبنى على المحاصصة تبقى أسيرة المحاصصة، والدولة التي تُبنى على المواطنة تتحرر منها جميعاً.
ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من توزيع المقاعد، ولا من إعادة هندسة الامتيازات، وإنما يبدأ من إعادة الاعتبار للمدرسة العمومية، لأنها المؤسسة الوحيدة التي تستطيع أن تصنع طفلاً لا يعرف نفسه من خلال قبيلته، ولا طبقته، ولا لونه، وإنما من خلال مواطنته وكفاءته.
إن الأمم العظيمة لم تُبنَ لأن أبناءها كانوا متشابهين، وإنما لأنها امتلكت مؤسسات عادلة جعلت اختلافاتهم مصدر قوة، لا سبباً للصراع.
أما نحن، فما زلنا نبحث عن حلول جزئية لمشكلات كلية، ونقيم مؤسسات جديدة فوق أرضية لم تكتمل بعد.
إن معركة موريتانيا ليست ضد الفقر وحده، ولا ضد التفاوت وحده، ولا ضد آثار الماضي وحدها، بل ضد الفكرة التي تجعل الانتماء الاجتماعي أقوى من الانتماء الوطني.
وحين تنتصر المواطنة، يصبح التمييز الإيجابي إجراءً مؤقتاً لا حاجة دائمة، ويصبح التفوق حقاً لكل من يستحقه، لا امتيازاً يحتكره أحد.
ذلك هو الامتحان الحقيقي للدولة الحديثة.
فالدولة العادلة ليست تلك التي توزع الفرص وفق ميزان الحاجة وحده، ولا وفق ميزان الكفاءة وحده، وإنما تلك التي تجعل الحاجة سبباً لتكافؤ الفرص، وتجعل الكفاءة وحدها طريق التفوق.
وعندئذ فقط، يصبح الإنصاف حليفاً للاستحقاق، لا خصماً له، وتصبح العدالة قيمة تؤسس لوحدة المجتمع، لا عنواناً جديداً لانقسامه.
حمادي أباتي









