الثورة الزراعية… من خطاب الرؤية إلى مشروع التحول الوطني

 

أخبار اليوم.    في مقاطعة لگصيبه، ليلة الحادي عشر من ف براير 2026، لم يكن خطاب فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني مجرد مناسبة سياسية عابرة، بل جاء ليضع حدًا لإشكال طالما جرى تضخيمه في بعض الأوساط وتقديمه بوصفه “مشكلاً عقارياً”. لقد أعاد الخطاب ترتيب المفاهيم، وحسم النقاش من منطلق سيادي وتنموي واضح: الأرض ملك للدولة، والدولة عازمة على تحويلها إلى رافعة نهضة لا إلى مادة سجال سياسي.

حسم المفهوم وتثبيت الرؤية

حين أكد رئيس الجمهورية أن الأرض ملك للدولة، لم يكن ذلك طرحًا قانونيًا مجردًا، بل إعلانًا لمرحلة جديدة في إدارة الثروة العقارية، قائمة على الاستثمار العمومي المنظم، والتخطيط بعيد المدى، والعدالة في الاستفادة. وقد عزز هذا التوجه بالتأكيد على أن الدولة منهمكة في استثمارات ضخمة: شق القنوات، تهيئة المساحات، بناء السدود، توفير المكننة والمدخلات الزراعية. إنها رؤية شمولية لا تعالج السطح، بل تبني البنية التحتية لثورة إنتاجية حقيقية.

الأهم من ذلك أن فخامة الرئيس قطع الطريق أمام المخاوف، بتأكيده أن لا انتزاع لأي أرض مستغلة حاليًا في الزراعة. وهنا يتجلى البعد الاجتماعي للسياسات الجديدة: تشجيع الاستثمار دون الإضرار بالمزارعين، وتوسيع العرض دون إقصاء أحد.

من اقتصاد الريع إلى اقتصاد الإنتاج

لقد ظل اقتصادنا لعقود طويلة رهينًا لمنطق الريع، سواء في المعادن أو الصيد أو المساعدات الخارجية. غير أن التحول نحو الزراعة بوصفها قطاعًا استراتيجيًا يمثل قطيعة نوعية مع هذا النموذج. فالزراعة ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل هي أمن غذائي، وتشغيل، واستقرار اجتماعي، وتوازن مجالي.

وفي هذا السياق، جاءت مداخلة مدير الزراعة، السيد باب أحمد ولد النقرة، أمام رئيس الجمهورية، لتعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الاختلالات البنيوية في الاقتصاد الوطني. فقد دعا إلى شق قناة ري بين كيهيدي ولگصيبه، قادرة على ري آلاف الهكتارات الزراعية، في منطقة تُعد من أخصب الأراضي الصالحة لزراعة القمح.

إن هذا المقترح لا يمثل مجرد مشروع هندسي، بل خيارًا استراتيجيًا بالغ الدلالة. فموريتانيا تستهلك القمح بكميات تفوق استهلاكها للأرز، وتعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتلبية حاجتها. فهل من المنطقي أن نظل رهائن للأسواق الخارجية في مادة أساسية، بينما تتوفر لدينا أراضٍ خصبة ومياه قابلة للتعبئة؟

القمح… عنوان السيادة الغذائية

إن زراعة القمح في ضفة النهر، إلى جانب الأرز والخضروات والمحاصيل الأخرى، من شأنها أن تخفف فاتورة الاستيراد، وتحسن الميزان التجاري، وترفد الخزينة الوطنية بموارد جديدة. كما ستخلق آلاف فرص العمل، وتنعش الدورة الاقتصادية في ولايات الضفة، وتحد من الهجرة نحو العاصمة.

ولا يقف الأثر عند الزراعة وحدها؛ فحين تُزرع الأرض، يُنتج العلف، ويجد المنمون متنفسًا لمواشيهم. وهنا تتكامل الزراعة مع الثروة الحيوانية بدل أن تتزاحما على الموارد. إن استصلاح الأراضي الزراعية سيخفف الضغط عن المناطق الرعوية، ويخلق توازنًا بيئيًا واقتصاديًا طال انتظاره.

الأسواق الأسبوعية… تنمية من القاعدة

ومن الأفكار اللافتة التي طرحها مدير الزراعة أيضًا استحداث أسواق أسبوعية في المنطقة، على غرار ما هو معمول به في الحوضين وبعض مناطق لعصابة وكيدي ماغه. هذه الأسواق ليست مجرد فضاءات للبيع والشراء، بل أدوات لتنشيط الاقتصاد المحلي، وتقليل تكاليف النقل على المنمين، وتمكينهم من تسويق مواشيهم ومنتجاتهم دون الحاجة إلى نقلها إلى نواكشوط.

إنها تنمية تنطلق من القاعدة، تعيد الاعتبار للداخل، وتكسر مركزية السوق في العاصمة. وحين تقترن الزراعة المنتجة بالأسواق المحلية المنظمة، تتشكل نواة اقتصاد جهوي متكامل.

ثورة زراعية غير مسبوقة

لقد دعا رئيس الجمهورية إلى تحويل أراضينا الزراعية إلى مشاريع تنهض باقتصاد البلد وتحسن ظروف السكان المعيشية، في إطار ثورة زراعية غير مسبوقة. والثورات الحقيقية لا تُقاس بالشعارات، بل بقدرتها على تغيير أنماط الإنتاج، وإعادة توزيع الفرص، وبناء طبقة منتجة تسهم في الاستقرار السياسي والاجتماعي.

إن ما طُرح في لگصيبه ليس وعدًا عابرًا، بل معالم استراتيجية وطنية:

استثمار عمومي قوي في البنية التحتية،

حماية الحقوق القائمة،

توسيع العرض الزراعي،

البحث عن شراكات دولية مثمرة،

دمج الزراعة في منظومة تنموية شاملة تشمل الأسواق والثروة الحيوانية.

أفق النهضة

موريتانيا اليوم تقف على أعتاب تحول تاريخي. فإذا ما أُحسن تنفيذ هذه الرؤية، وواكبها إصلاح إداري فعال، وتمويل مستدام، ومتابعة ميدانية صارمة، فإن البلاد ستنتقل تدريجيًا من اقتصاد يعتمد على الخارج إلى اقتصاد ينتج غذاءه، ويخلق فرص عمله، ويبني أمنه الغذائي بيده.

إن الثورة الزراعية ليست خيارًا قطاعيًا، بل مشروع وطن. ومن لگصيبه انطلقت رسالة واضحة: الأرض ليست مجال صراع، بل وعاء أمل. والزراعة ليست نشاطًا تقليديًا، بل رافعة سيادة وتنمية.

وهكذا، فإن موريتانيا مقبلة — بإذن الله — على نهضة واعدة، عنوانها الإنتاج، وعمادها الأرض، وغايتها كرامة المواطن واستقلال القرار الاقتصادي.

  • Related Posts

    المهندس بليل ولد محمد لحمد يقود تعبئة واسعة في مونكل لإنجاح الزيارة الرئاسية

    أخبار اليوم.       تشهد مقاطعة مونكل بولاية كوركول حركية سياسية لافتة يقودها الإطار البارز بشركة تازيازت، بليل ولد محمد أحمد، في إطار التحضير للاستقبال المرتقب لفخامة رئيس الجمهورية محمد…

    اقرأ المزيد

    الرئيس غزواني يصل مونكل المحطة الأخيرة من جولته في غورغول

    أخباراليوم.     وصل الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، مساء اليوم الخميس، إلى مدينة مونكل، قادماً من مدينة لكصيبه.   وتعد مونكل المحطة الخامسة والأخيرة من زيارة الرئيس غزواني لولاية غورغول،…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    • يناير 11, 2026
    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    الحوار الوطني والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    • يناير 6, 2026
    الحوار الوطني  والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    • يناير 5, 2026
    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    هل تعصف صفقة الطاولات بكبار مسؤولي وزارة التربية..؟

    • أغسطس 30, 2025
    هل تعصف صفقة الطاولات بكبار مسؤولي وزارة التربية..؟

    جمعية أشبال الكاراتيه تنظم نهائيات كأس عمدة تفرغ زينة للكاراتيه

    • مايو 26, 2025
    جمعية أشبال الكاراتيه تنظم نهائيات كأس عمدة تفرغ زينة للكاراتيه

    وزير الصيد يزور رفقة وفد تركي مؤسسات فحص وتعبئة وتصدير المنتوج السمكي بنواذيبو

    • مايو 4, 2025
    وزير الصيد يزور رفقة وفد تركي مؤسسات فحص وتعبئة وتصدير المنتوج السمكي بنواذيبو