أخبار اليوم. ليست الوظيفة العمومية، في أصلها، امتيازًا يُمنح بلا مقابل، ولا حصانةً أبديةً ضد المساءلة، وإنما هي عقدٌ أخلاقيٌّ وقانونيٌّ بين الدولة وموظفيها، قوامه أداء الواجب لقاء الحق. غير أنّ الجدل الذي يطفو اليوم على سطح وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصًا في ما يتعلق بقطاع التعليم، يوحي وكأنّ المدرّس هو الموظف الوحيد الذي يُهدَّد ويُفصل، وكأنّ المساءلة بدعةٌ استُحدثت خصيصًا لهذه الفئة.
تزخر المنصّات بتدويناتٍ غاضبة، تتهم وتدين، وتصور إجراءات المتابعة والإنذار والفصل وكأنها حملة استهداف ممنهجة. غير أنّ القراءة المتأنية تكشف أن كثيرًا من هذا الخطاب لا يقدّم حُججًا بقدر ما يقدّم انفعالًا، ولا يثبت مظلمةً بقدر ما يعكس مقاومةً للتغيير.
إنّ إصلاح التعليم ليس ترفًا إداريًا، بل هو قضية مصيرية، لأن ضحاياه – إن فشل – ليسوا موظفين بالغين، بل أجيالًا كاملة تُحرَم من حقها في التكوين والمعرفة. ومن هنا فإنّ التغاضي عن الغياب المتكرر، أو تقاضي رواتب دون أداء فعلي، أو التساهل مع ضعفٍ مهنيٍّ صارخ، لا يمكن اعتباره دفاعًا عن المدرس، بل هو في جوهره تفريطٌ في حق التلميذ وخيانةٌ لرسالة التعليم.
حين تقف الإدارة بالمرصاد لمن يتقاضون أجورًا دون أن يقدموا مقابلًا حقيقيًا، فهي لا تمارس قسوة، بل تطبّق مقتضيات القانون. والإنذار ثم الفصل ليسا إجراءين اعتباطيين، بل مسارٌ قانونيٌّ واضح، يُفترض أن يسبقه تنبيهٌ وفرصةٌ للتصحيح. وفي حال الإصرار على الإخلال بالواجب، يصبح الفصل نتيجةً طبيعيةً لا انتقامًا شخصيًا.
ثم إنّ من المؤسف أن بعض من يهاجمون هذه الإجراءات يكشفون – من حيث لا يقصدون – ضعفًا في التأهيل، سواء في مستوى الكتابة أو في القدرة على عرض الحجج بسلامة لغوية ومنهجية. والتعليم رسالةٌ قبل أن يكون وظيفة، ومن يتصدّى لها ينبغي أن يكون في مستوى القدوة علمًا وسلوكًا.
لا يعني هذا التعميم أو النيل من كفاءة المدرسين الشرفاء، وهم كُثُر، بل إنّ الإصلاح الحقيقي هو في صالحهم قبل غيرهم؛ إذ يخلّص القطاع من الدخلاء والمقصّرين، ويرفع مكانة المهنة حين تصبح الجدارة معيار البقاء والترقية. كما أن معالجة النقص عبر مسابقات شفافة واكتتاب الأكفأ يفتح الباب أمام دماء جديدة، قادرة على العطاء وتحمل المسؤولية.
لقد تعوّد بعض المتعاقدين – منذ البداية – على شروط واضحة: أجر محدد، وفترة خدمة، ثم الولوج إلى الوظيفة العمومية عبر مسابقة. فمن قبل بالشروط طوعًا، لا يملك أن يحتجّ على تطبيقها. أما من عجز عن إثبات أهليته أو التزم الغياب والتحايل، فإن مساءلته ليست ظلمًا، بل حمايةٌ للقطاع من التمييع والتسيّب.
إنّ الحكمة لا تعني التهاون، كما أن الحزم لا يعني الظلم. والإدارة الرشيدة هي التي تجمع بين تحسين الظروف المادية والمعنوية للمدرسين الجادّين، وبين تطبيق القانون على من يُخلّ بواجباته. فالعدل ليس أن نساوي بين المجتهد والمقصّر، بل أن نضع كلًّا في موضعه.
في النهاية، يبقى السؤال الجوهري: هل نريد تعليمًا يحمي مصالح فئةٍ محدودة، أم تعليمًا يحمي مستقبل وطنٍ بأكمله؟ إنّ مستقبل البلاد لا يُصان بالشعارات، بل بالانضباط والكفاءة والمساءلة العادلة. وحين يكون العلم هو وسيلة النهوض، فإنّ أول شروطه أن نُعيد للوظيفة التعليمية معناها: رسالةٌ ومسؤولية، لا مجرد راتبٍ في نهاية الشهر.








