أخباراليوم. مقارنة في حدود الزمن الرئاسي في الأنظمة الدستورية المعاصرة
في ظلّ التحضيرات الجارية للحوار الوطني المرتقب، برزت في الساحة العمومية تصريحات ومواقف متباينة، صادرة عن شخصيات وطنية من الأغلبية والمعارضة على حدّ سواء، تتراوح بين الدعوة إلى طرح مسألة المأمورية الرئاسية ضمن جدول أعمال الحوار، وبين التحفّظ أو الرفض المبدئي لإثارة هذا الموضوع. ويعكس هذا الجدل حساسية بالغة تحيط بأحكام المأمورية الرئاسية، بالنظر إلى ما تمثّله من صلة مباشرة بجوهر النظام الدستوري، وبمبادئ التناوب الديمقراطي على السلطة، واستقرار المؤسسات، واحترام سمو الدستور.
ومع إدراك ما تثيره هذه المسألة من إشكالات قانونية وسياسية عميقة، ولا سيما ما يتعلّق بشرعية مناقشة الأحكام الدستورية المحصّنة المرتبطة بالمأمورية الرئاسية في إطار حوار وطني، وبمدى أهلية السلطات العمومية لتطبيق مخرجات قد تمسّ هذه الأحكام في ضوء الدستور القائم والالتزامات الدولية للجمهورية الإسلامية الموريتانية، فإن هذه الدراسة لا تهدف، في هذه المرحلة، إلى الخوض في تلك الإشكالات أو استباق ما قد يسفر عنه الحوار، وذلك إلى حين التأكّد من إدراج هذا الموضوع صراحة ضمن جدول أشغاله.
وانطلاقًا من هذا التحفّظ المنهجي، يقتصر هذا المقال حول عدد ومدة مأمورية رئيس الجمهورية في الأنظمة الديمقراطية على مقاربة قانونية، تستند إلى القانون الدستوري المقارن، بمعزل عن أي سياق وطني خاص. وتسعى هذه المقاربة إلى إبراز الاتجاهات العامة والمعايير الدستورية المتقاربة التي تبلورت عبر التجارب المقارنة، دون افتراض قابلية نقلها أو تطبيقها آليًا في أي نظام دستوري بعينه.
مع غياب قاعدة دولية ملزمة تفرض مدة معينة أو عددًا محددًا من المأموريات الرئاسية، تبلور تدريجيًا معيارٌ دستوري دولي متقارب، مستمد من القانون الدستوري المقارن، ومن الصكوك الإقليمية والدولية، ومن الاجتهادات الدستورية والقضائية، فضلًا عن المبادئ الجوهرية لدولة القانون والتناوب الديمقراطي على السلطة. وتندرج هذه المعايير ضمن ما يُعرف بالقانون اللين. وهي وإن كانت غير ملزمة من الناحية الشكلية، فإنها تكتسي قوة معيارية وسياسية ودستورية معتبرة.
وفي هذا الإطار، تهدف الدراسة إلى تحليل هذه المعايير من خلال استعراض النماذج الدستورية المعاصرة المتعلقة بمدة المأمورية الرئاسية وبمبدأ تحديد عددها، مع إيلاء عناية خاصة للآليات الدستورية والقانونية التي اعتمدتها بعض الدول لمعاقبة أو تجريم مطالب أو محاولات مراجعة هذه القواعد، عندما تكون محمية بنصوص تحصينية أو تمّ اعتبارها من قبيل المساس بالنظام الدستوري، وذلك في إطار قراءة علمية محايدة، لا تستبق النقاش الوطني، وإنما تساهم في إغنائه بأدوات التحليل القانوني المقارن.
أولًا: مدة المأمورية الرئاسية – المعايير الدولية
1- المعيار الغالب: مأمورية من أربع (4) إلى خمس (5) سنوات
يُظهر التحليل المقارن أن المدة الغالبة للمأمورية الرئاسية تتراوح بين أربع وخمس سنوات. ففي غالبية الديمقراطيات الدستورية نجد:
* أربع سنوات: مثلا في العراق، الولايات المتحدة الأمريكية، البرازيل، الأرجنتين، تشيلي، كولومبيا، كوريا الجنوبية، غانا، نيجيريا، كيريباتي، بالاو، جزر مارشال.
* خمس سنوات: مثلا في موريتانيا، فرنسا، بولندا، ألمانيا، البرتغال، رومانيا، سلوفينيا، إستونيا، الجزائر، تونس، جيبوتي، السنغال، بنين، كينيا، جنوب إفريقيا، كوت ديفوار، بوتسوانا، إندونيسيا، تركيا.
وتُعتبر مأمورية تتراوح بين أربع وخمس سنوات كفيلة بتحقيق توازن معقول بين الاستقرار المؤسسي وإمكانية الرقابة الديمقراطية الدورية من طرف الناخبين.
2- الاتجاه التراجعي: المأموريات الطويلة ست أو سبع (6–7) سنوات
لا تزال المأموريات التي تمتد إلى ست سنوات (مصر، لبنان، الفلبين، فنلندا، كازاخستان، لاتفيا، ليتوانيا، جمهورية التشيك، روسيا، ليبيريا) أو سبع سنوات (سوريا، رواندا، كازاخستان، اليمن، المكسيك) قائمة في بعض البلدان. غير أنها أصبحت تمثل اتجاه الأقلية على الصعيد العالمي، وغالبًا ما ترتبط بتركيز السلطة التنفيذية وتراجع مستوى المساءلة الديمقراطية.
3- الحالات الاستثنائية: المأموريات القصيرة ثلاث (3) سنوات
تُمكن ملاحظة العمل بالمأموريات الرئاسية التي تبلغ مدتها نحو ثلاث سنوات (فيجي، ناورو) أو أقل من ذلك ستة أشهر مثلا (سان مارينو) أساسًا في بعض الأنظمة البرلمانية الهجينة، ولا سيما في أوقيانوسيا، حيث تكون الوظيفة الرئاسية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالدورة البرلمانية وخالية من سلطة تنفيذية مستقلة. وتظل هذه الصيغ استثنائية بطبيعتها، ولا تشكل معيارًا قابلًا للتعميم أو للتطبيق على الأنظمة الرئاسية أو شبه الرئاسية ذات السلطة التنفيذية القوية.
ثانيًا: تحديد عدد المأموريات – مبدأ أساسي
1- المعيار الدولي السائد: التحديد بمأموريتين
يشكّل مبدأ تحديد المأمورية الرئاسية بمأموريتين جوهر المعيار الدستوري الدولي المعاصر. ويتخذ هذا المعيار عدة صيغ تقنية، من بينها:
* مأموريتان كحد أقصى (متتاليتان أو غير متتاليتين):
» لا يجوز لأي شخص أن يمارس أكثر من مأموريتين «
مثل: جنوب إفريقيا، ألبانيا، الجزائر، كرواتيا، الولايات المتحدة الأمريكية، اليونان، هنغاريا، إيرلندا، بولندا، رومانيا، صربيا، تونس، تركيا، الإكوادور، بنين، تنزانيا، بوتسوانا، وغيرها.
* مأموريتان متتاليتان:
» لا يجوز لأي شخص أن يمارس أكثر من مأموريتين متتاليتين «
مثل: ألمانيا، الأرجنتين، النمسا، البوسنة والهرسك، البرازيل، بلغاريا، إستونيا، فنلندا، فرنسا، سلوفاكيا، لاتفيا، ليتوانيا، جمهورية التشيك، روسيا، موريتانيا.
لا يمكن من الناحية القانونية اعتبار التحديد بمأموريتين متتاليتين نظامًا للمأموريات غير المحدودة، إذ إنه يشكل طريقة خاصة من طرق تقييد السلطة التنفيذية، تفرض انقطاعًا إلزاميًا في ممارسة السلطة، وتستبعد الاستمرارية غير المحدودة في الحكم، حتى وإن تم إجازة إعادة الترشح لاحقًا.
* مأموريتان غير متتاليتين:
في هذه الحالة، تحظر الدساتير الاستمرارية ولا تمنع إعادة الانتخاب المؤجلة، لذلك، تكون إعادة الانتخاب ممكنة ولكن فقط بعد فاصل زمني: البرتغال، لبنان، تشيلي، بيرو، هايتي، كوستاريكا.
إذن يهدف مبدأ التحديد بمأموريتين إلى منع تركّز السلطة وتفريدها، وضمان التناوب الديمقراطي، وحماية التعددية السياسية ومبدأ الفصل بين السلطات. وقد تم تكريس هذا المبدأ في أغلبية الدساتير المعاصرة عبر مختلف القارات.
وعلى نحو استثنائي وهامشي، تنص بعض الدساتير على حدٍّ أعلى يتجاوز مأموريتين، مع الإبقاء على مبدأ التحديد، كما هو الحال في جمهورية كيريباتي، حيث يُنتخب رئيس الجمهورية لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد في حدود ثلاث مأموريات، دون المساس بالمنطق الجوهري القائم على تقييد السلطة التنفيذية.
2- المعيار المُعزَّز: المأمورية الواحدة غير القابلة للتجديد
اختارت بعض الدول نظام المأمورية الواحدة غير القابلة للتجديد، مثل: المكسيك، كولومبيا، أرمينيا، كوريا الجنوبية، الفلبين، مالطا، باراغواي وكازاخستان.
ويُعتبر هذا النموذج متوافقًا قانونًا مع المعايير الدولية، كما يتم تقديمه أحيانًا بوصفه ضمانة مُعزَّزة ضد الاستئثار بالسلطة، رغم ما يفرضه من قيود على إمكانية التجديد الديمقراطي.
3- الانحراف الدستوري: المأموريات غير المحدودة
تُعتبر الدساتير التي تجيز عددًا غير محدود من المأموريات الرئاسية (جيبوتي، قبرص)، أو التي ألغت القيود بأثر رجعي (أذربيجان، بيلاروسيا، فنزويلا)، في قطيعة واضحة مع المعايير الدستورية الدولية المعاصرة.
ويرى فيها الفقه الدستوري والهيئات الدولية عاملًا من عوامل إضعاف دولة القانون وعدم الاستقرار الدستوري. فقد شهدت عدة دول إفريقية أزمات سياسية أو مظاهرات عنيفة أو اضطرابات مؤسساتية عقب تعديلات دستورية تعلّقت بعدد أو بحدود المأموريات الرئاسية، من بينها: بوركينا فاسو (2014)، بوروندي (2015)، جمهورية الكونغو الديمقراطية (2015–2018)، رواندا (2015)، الكونغو-برازافيل (2015)، أوغندا (2005 و2017)، غينيا (2020)، النيجر (2009)، توغو (2002 و2017–2018). وفي عدة حالات (بوركينا فاسو، النيجر، غينيا) أعقبت هذه المراجعات إسقاط النظام القائم.
في المقابل، لم تؤدِّ هذه التعديلات في بعض الدول (رواندا، جيبوتي) إلى انتفاضات كبرى، غير أنها أثارت انتقادات دولية واسعة بشأن طبيعة المسار الديمقراطي الذي أُُقرت من خلاله.
ثالثًا: المراجعات الدستورية، شروط التحصين ومبدأ عدم التراجع
1- مبدأ عدم التراجع الديمقراطي
يُعتبر مبدأ عدم التراجع الديمقراطي من المبادئ التي يزداد تأكيدها في القانون الدستوري المقارن، ومفاده أنه لا يجوز لأي مراجعة دستورية أن تُضعف الضمانات الجوهرية للتناوب الديمقراطي على السلطة، ولا سيما مبدأ تحديد مدة مأمورية رئيس الجمهورية.
وتُعد المراجعات الدستورية المعروفة بـ «المفصَّلة على المقاس»، التي ترمي إلى:
* إلغاء تحديد عدد المأموريات؛
* أو تصفير المأموريات التي تم إنجازها سابقًا.
مراجعات يُنظر إليها على نطاق واسع باعتبارها تعسفية من الناحية القانونية، حتى وإن احترمت شكليًا إجراءات التعديل الدستوري.
وقد تم تكريس هذا المبدأ من خلال:
* الميثاق الإفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم؛
* آراء وتوصيات لجنة البندقية التابعة لمجلس أوروبا؛
* والاجتهادات الدستورية المقارنة، لا سيما في كولومبيا وبنين ومالاوي.
2- الدول التي حصّنت هذه القواعد وحمتها جزائيًا أو قانونيًا
أ) شروط التحصين الدستوري
قامت عدة دول باستبعاد مدة وعدد المأموريات الرئاسية صراحةً من مجال المراجعة الدستورية، ومن بينها على وجه الخصوص:
* موريتانيا (المادة 99)؛
* السنغال (المادة 103)؛
* الجزائر (المادة 195)؛
* جزر القمر (المادة 45)؛
* البرتغال (المادة 288).
وفي هذه الدول، تُعد أي مبادرة ترمي إلى تعديل هذه الأحكام غير مقبولة دستوريًا.
ب) تجريم أو معاقبة محاولات المراجعة
ذهبت بعض الدول إلى أبعد من ذلك، فاعتبرت مطالب أو محاولات مراجعة هذه القواعد جرائم تمس النظام الدستوري، ومن بينها:
* النيجر: متابعات جزائية قائمة على المساس بالنظام الدستوري بعد تحصين المأموريات؛
* بوركينا فاسو: تجريم المبادرات الرامية إلى تعديل مبدأ تحديد المأموريات؛
* تشاد (في الإطار الدستوري السابق): قمع الدعوات إلى تعديل القواعد الأساسية المنظمة للسلطة التنفيذية؛
* السنغال: رقابة قضائية صارمة وإمكانية التكييف الجنائي في حال وجود محاولة منظمة لانتهاك شرط التحصين الدستوري.
في هذه الأنظمة، لا تُجرَّم المطالبة بالمراجعة بوصفها رأيًا مجردًا، وإنما عندما تُكيف على أنها محاولة للمساس بالنظام الدستوري أو اعتداء على الشكل الجمهوري للدولة.
رابعًا: الخلاصة
تُظهر الدراسة المقارنة أن المعايير الدستورية الدولية المعاصرة ترتكز على:
1. مدة معتدلة للمأمورية الرئاسية؛
2. تحديد واضح وفعّال لعدد المأموريات؛
3. حماية مبدأ التناوب الديمقراطي من المراجعات الانتهازية؛
4. إمكانية قيام بعض الدول بفرض جزاءات قانونية على محاولات المساس بهذه القواعد متى كانت محصَّنة دستوريًا.
وكل إصلاح دستوري يبتعد عن هذه المبادئ يُعرّض مشروعيته الديمقراطية للاهتزاز، سواء على الصعيد الداخلي أو الدولي.
خاتمة
يُبرز التحليل المقارن للمعايير الدستورية الدولية المتعلقة بمدة وعدد المأموريات الرئاسية وجود توجهات عامة متقاربة، تقوم على تقييد زمن تولّي السلطة الرئاسية، وضبط ممارستها، وحماية مبدأ التناوب الديمقراطي من المراجعات الانتهازية، مع إمكانية فرض جزاءات قانونية على محاولات المساس بهذه القواعد عندما تكون محصَّنة دستوريًا.
إن كل إصلاح دستوري يبتعد عن هذه المبادئ يُعرّض مشروعيته الديمقراطية للاهتزاز، سواء على الصعيد الداخلي أو الدولي.
الدكتور محمد إدريس ولد حرمة ولد بابانا
من صفحة الأستاذ يعقوب السيف









