أخبار اليوم. ليست الضرائب أرقامًا في جداول، ولا بنودًا تُمرَّر في مواسم محددة؛ إنها المرآة الأكثر صدقًا للعلاقة بين السلطة والناس. من يدفع، وبأي قدر، وفي مقابل ماذا… في هذه التفاصيل الصغيرة تُقرأ فكرة الوطن كاملة، بلا شعارات ولا ضجيج.
حين تُقتطع من الرواتب بدقة لا تخطئ، ويُترك ما هو أثقل خارج الحساب، لا يحدث الأمر دفعة واحدة. يتمّ بهدوء، كعادة الأشياء التي يُراد لها أن تبدو طبيعية. ومع الوقت، يعتاد الناس أن يقدّموا أكثر مما يتلقّون، وأن يُطالَبوا بالصبر بدل التفسير، وبالواجب بدل الحق.
في هذا السياق، لا يعود النقاش حول الميزانية نقاشًا حول الخيارات، بل حول التوازنات. تُضبط الأرقام بعناية، وتُدار الأولويات بمنطق يعرف وجهته لكنه لا يصرّح بها. الامتيازات تجد طريقها بسهولة، بينما تُترك المهن التي لا صوت لها في منطقة الانتظار الطويل.
المعلّم، مثلًا، لا يُقصى من المشهد، بل يُبقى عليه في الحد الأدنى: حاضر بما يكفي لئلا يُقال إنه غائب، ومهمَل بما يكفي لئلا يُنتظر منه الكثير. يتآكل دخله بصمت، ويتآكل معه الإيمان بأن المعرفة ما تزال رهانًا جماعيًا لا عبئًا مؤجّلًا.
وحين يضعف الرهان على الإنسان، يصبح الريع خيارًا مريحًا. بلدٌ غني بما يكفي ليحلم، لكنه يتصرّف كمن يخشى لمس ثروته. يكتفي بأن تُدار لا أن تُصنَع، وأن تُستخرج لا أن تُبنى حولها سياسات طويلة النفس.
الجغرافيا، بدورها، لا تُقرأ بوصفها فرصة، بل عبئًا مؤجَّلًا. حدود طويلة مع اضطراب مفتوح، وثروات تعبر ولا تستقر، وبشر يمرّون بحثًا عن أفق آخر. وكان يمكن لهذا العبور أن يُعاد تعريفه، أن يتحوّل إلى موقع قوة، لكنه يظل ملفًا يُدار من باب الاحتياط لا الرؤية.
وهكذا، من غير إعلانٍ ولا لافتات، يتبدّل معنى الأشياء.
لا ينهار الوطن، بل يبهت.
لا يُنتزع، بل يُستنزف قطرةً قطرة.
يصبح العبور أكثر وضوحًا من الإقامة،
والحساب أدقّ من الحلم،
والأرقام أصدق من الوجوه.
وفي مكانٍ كهذا، لا يُسأل الناس عمّا يريدون،
بل عمّا يستطيعون تحمّله.
ولا يُقاس الانتماء بما يُحَبّ،
بل بما يُقتطع في نهاية كل شهر.
وحين يصل الوطن إلى هذه العتبة،
لا يخرج أحد غاضبًا،
ولا يدخل أحد مطمئنًا،
كل ما في الأمر أن الأبواب تبقى مواربة…
كأن المكان ينتظر ساكنيه،
أو يودّعهم دون أن يلوّح.









