أخبار اليوم. لا تعيش موريتانيا أزمة طارئة، بل وضعًا مستقرًا من الاختلال. اختلالٌ طال أمده حتى فقد صفة الاستثناء، وأصبح جزءًا من المشهد العام. هنا، لا يُفاجَأ الناس بتعثّر مشروع، ولا باستنزاف مورد، ولا بتراجع خدمة أساسية، لأن الخلل لم يعد حدثًا يُساءل عنه، بل واقعًا يُتعايش معه.
المشكلة ليست في ندرة الإمكانيات، فالبلد غنيّ بما يكفي ليؤمّن الحد الأدنى من العيش الكريم. المشكلة في طريقة إدارة هذه الإمكانيات، وفي شبكة مصالح متداخلة تجعل من المال العام مجالًا للتقاسم، لا أداة للتنمية. مشاريع تُعلن ولا تُنجز، أرقام تُقدَّم بلا أثر، ووعود تُكرَّر حتى تفقد معناها.
في هذا السياق، لا يعمل الفساد في الظل، بل في وضح النهار، محميًّا بتشابك السياسة بالمال، وبثقافة تعتبر النفوذ بديلًا عن الكفاءة. الوظيفة العمومية لم تعد دائمًا تكليفًا، بل أصبحت في حالات كثيرة بوابة للترقي الاجتماعي السريع، لا عبر الجهد، بل عبر القرب والولاء.
الأخطر أن هذا الخلل لم يبقَ محصورًا في الإدارة، بل تسلّل إلى المجتمع نفسه. صار التفاوت الصارخ مشهدًا عاديًا، وتحوّلت الثروة المفاجئة إلى علامة “نجاح”، مهما كان مصدرها. ومع الوقت، تآكل الإحساس بالحق العام، وتقدّم منطق “تدبير الحال” على منطق العدالة.
في بلد تُؤجَّل فيه المحاسبة باستمرار، يصبح النسيان سياسة غير معلنة. تُفتح الملفات ثم تُطوى، تُثار القضايا ثم تختفي، ويُطلب من الناس الصبر باسم الاستقرار. لكن الاستقرار الذي يقوم على تعطيل السؤال لا يصنع دولة، بل يُراكم هشاشتها.
هكذا تتشكّل دائرة مغلقة:
إدارة ضعيفة تُنتج خدمات رديئة، وخدمات رديئة تُضعف ثقة المواطن، وثقة مكسورة تُبرّر الانسحاب أو التكيّف، فيُترك المجال لمن يعتبر الوطن فرصة لا مسؤولية.
ليست المشكلة في غياب القوانين، بل في انتقائيتها. ليست في نقص الشعارات، بل في فراغ المعايير. وحين لا يكون الجميع سواء أمام النصّ، يصبح الفساد مهارة، لا جريمة، ويغدو الصمت شرطًا للنجاة.
إن أخطر ما يواجه موريتانيا اليوم ليس الفقر، ولا حتى سوء الإدارة، بل الاعتياد على الخلل. أن يتحوّل الفساد من مشكلة تُناقَش إلى واقع يُبرَّر، ومن استثناء يُستنكر إلى نظام يُدار. عند هذه النقطة، لا يعود السؤال: من سرق؟ بل: لماذا لم يُحاسَب؟
ما يُنهك البلد ليس غياب الحلول، بل غياب الإرادة في تطبيقها. فالقوانين موجودة، والمؤسسات قائمة، لكن الانتقائية جعلت منها واجهة أكثر منها آلية. وحين يشعر المواطن أن المال العام بلا حارس، وأن النفوذ أقوى من النصّ، فإن الثقة تنهار، ومعها تنهار فكرة الدولة نفسها.
لا يمكن لوطن أن ينهض بينما تُدار خيراته بعقلية الغنيمة، وتُختزل السياسة في توزيع الامتيازات، ويُكافأ الصمت ويُعاقَب السؤال. هذا المسار لا يقود إلى الاستقرار، بل إلى إنهاك بطيء، يُفرغ الدولة من معناها ويحوّلها إلى إدارة للأزمات بدل حلّها.
اللحظة التي نعيشها لا تحتمل مزيدًا من التجميل.
إما قطيعة واضحة مع منطق الإفلات من المحاسبة، أو استمرار في الدوران داخل الحلقة نفسها، مهما تغيّرت الوجوه وتبدّلت الخطابات. فالأوطان لا تُستنزف فجأة، بل تُنهك حين يصبح الخلل مقبولًا، وحين يتعلّم الجميع التعايش معه.
والسؤال الحقيقي لم يعد: إلى أين تمضي موريتانيا؟
بل: إلى متى يُسمح لهذا المسار أن يستمر؟
حمادي سيدي محمد آباتي









