أخبار اليوم. منذ خمس سنوات، بدات منطقة الساحل الإفريقي تعيش على أعتاب مرحلة جديدة. ففي 18 أغسطس 2020، أطاح ضباط الجيش في مالي بالرئيس إبراهيم بوبكر كيتا، معلنين بداية ما قُدّم حينها بوصفه “تصحيحاً تاريخياً” لمسار دولة عجزت عن حماية شعبها. غير أن هذا الحدث، الذي انطلق من باماكو، لم يبقَ محصوراً داخل الحدود المالية، بل سرعان ما تحوّل إلى سلسلة انقلابات متلاحقة أعادت رسم المشهد السياسي والأمني في الساحل بأكمله.
ومع امتداد هذه السلسلة إلى بوركينا فاسو ثم النيجر، تشكّل واقع جديد قوامه أنظمة عسكرية متحالفة، تقطع مع الشركاء التقليديين، وتَعِدُ بإعادة تأسيس الدولة على أسس السيادة والأمن. لكن، بعد مرور نصف عقد، تفرض الوقائع نفسها بقوة: *هل نجحت هذه الأنظمة في تحويل الخطاب إلى نتائج ملموسة؟
بين الخطاب السيادي والواقع الميداني
للإجابة عن هذا السؤال، يكفي الانتقال من المنابر الرسمية إلى الميدان. ففي يناير 2025، كانت مدينة جيبو شمال بوركينا فاسو تعيش تحت حصار طويل الأمد، حُرمت خلاله من الإمدادات الأساسية، ولم تعد المساعدات الإنسانية تصل إلا نادراً. هذا الواقع المأساوي لا يبدو حالة معزولة، بل نموذجاً يتكرر في مناطق واسعة من الساحل.
في المقابل، يواصل قادة الأنظمة العسكرية، وعلى رأسهم الكابتن إبراهيم تراوري في واغادوغو، التمسك بخطاب “الاستعادة” و”التحرير”. غير أن التناقض الصارخ بين اللغة السياسية والواقع الأمني يكشف عن فجوة متزايدة، سرعان ما تحوّلت إلى سمة مركزية للمرحلة الراهنة.
لماذا رحّبت الشعوب بالانقلابات؟
لفهم هذه الفجوة، لا بد من العودة إلى السياق الذي سبق الانقلابات. فالأنظمة العسكرية لم تقتحم المشهد بالقوة وحدها، بل وجدت حاضنة اجتماعية حقيقية غذّاها الإحباط الشعبي من فشل الحكومات المدنية.
في مالي، أظهرت استطلاعات “أفروباروميتر” عام 2020 أن نحو ثلاثة أرباع السكان كانوا يعتبرون الوضع الأمني متدهوراً.
وفي بوركينا فاسو، كانت مدن بأكملها تعيش تحت حصار الجماعات الجهادية، في ظل عجز واضح للدولة. ومع تعثر اتفاق الجزائر، وفشل بعثات التدريب الأوروبية، وتزايد الهجمات رغم الوجود العسكري الفرنسي، تبلورت قناعة عامة مفادها أن النموذج القائم قد استنفد نفسه.
هكذا، لم يكن الانقلاب في نظر كثيرين انقلاباً على الديمقراطية، بل تمرّداً على العجز.
**ثلاث دول : منطلق واحد ونتائج متباينة
غير أن وحدة الدوافع لم تعنِ وحدة المسارات. ففي مالي، اعتمد العقيد أسيمي غويتا نهجاً تدريجياً لإحكام السيطرة على المؤسسة العسكرية، وإعادة توجيه بوصلتها بعيداً عن النفوذ الغربي. أما في بوركينا فاسو، فقد اتسمت المرحلة الأولى بالارتباك، حيث أُطيح بالمقدم داميبا بعد أشهر قليلة، ليبرز الكابتن تراوري بوصفه رمزاً لجيل عسكري جديد.
في النيجر، بدا الانقلاب مختلفاً في طبيعته؛ إذ جاء أقرب إلى تحرك دفاعي من داخل النظام نفسه، وهو ما يفسر جزئياً حدّة الردود الإقليمية والدولية عليه. ورغم هذه الفوارق، التقت المسارات الثلاثة عند خيار مشترك: التحالف فيما بينها والقطيعة مع المحيط الإقليمي التقليدي.
**تحالف دول الساحل: سيادة مؤجلة
في هذا السياق، وُلد تحالف دول الساحل في سبتمبر 2023، حاملاً وعود الدفاع المشترك والتكامل السياسي. ثم تعزز هذا المسار بإعلان مشروع كونفدرالي والانسحاب الجماعي من الإيكواس. على المستوى الرمزي، مثّل ذلك إعلان استقلال سياسي واضح. غير أن هذه السيادة، عند اختبارها ميدانياً، بقيت إلى حد كبير حبراً على ورق.









