أخبار اليوم. يشكل برنامج الحكومة لآفاق 2026 والذي قدمه معالي الوزير الأول أمام البرلمان ، محطة مفصلية في مسار تطوير البنية التحتية الوطنية، حيث يضع قطاع البناء والأشغال العمومية (BTP) في صلب التحول التنموي، باعتباره رافعة أساسية لفك العزلة، وتحسين التنافسية الاقتصادية، وتعزيز العدالة المجالية. ومن منظور هندسي، يعكس هذا البرنامج نضجًا واضحًا في التخطيط، وتوازنًا بين التوسعة، الصيانة، والاستدامة.
أولًا: الطرق والبنى التحتية الحضرية… ربط المجال وتثبيت التنمية
يولي البرنامج أهمية خاصة لشبكة الطرق الوطنية وما بين الولايات، عبر استكمال وإنجاز محاور استراتيجية مثل طريق النعمة – انبيكت لحواش، وتجكجة – سيلبابي، وأطار – شنقيط، إضافة إلى مقاطع جديدة تربط المناطق الزراعية والرعوية بمراكز الاستهلاك. هندسيًا، تمثل هذه المشاريع رهانًا على تحسين المواصفات الفنية للطرق، والرفع من قدرتها التحملية، خاصة في المناطق ذات الطبيعة الجيولوجية والهيدرولوجية المعقدة.
أما في المجال الحضري، فإن إنجاز الطريق الالتفافي حول نواكشوط، إلى جانب 136 كلم من الطرق الحضرية بالعاصمة و70 كلم في عواصم الولايات، يعكس توجهًا واضحًا نحو تنظيم الحركية، تخفيف الضغط المروري، وتحسين عمر الخدمة للشبكات الطرقية. كما أن تطوير شبكة طرق حضرية جديدة في نواذيبو يستجيب لمتطلبات مدينة اقتصادية ذات بعد لوجستي وصناعي متنامٍ.
ثانيًا: الجسور والمنشآت الفنية… هندسة السلامة والاستمرارية
يشكل بناء أربعة جسور جديدة في نواكشوط، إلى جانب صيانة وإعادة تأهيل المنشآت الفنية على الطرق الوطنية، مؤشرًا على وعي هندسي بأهمية السلامة الطرقية واستمرارية الشبكات. فالمنشآت الفنية ليست مجرد مكونات مكملة للطريق، بل عناصر حاسمة في مقاومة الفيضانات، وضمان ديمومة الاستثمارات العمومية، خاصة في ظل التغيرات المناخية.
ثالثًا: الصيانة وإعادة التأهيل… انتقال نحو منطق الاستدامة
يُسجَّل للبرنامج تركيزه الواضح على صيانة محاور حيوية مثل أكجوجت – أطار، وروصو – بوكي، ومقاطع من نواكشوط – نواذيبو. ومن زاوية هندسية، فإن هذا التوجه يمثل انتقالًا من منطق “الإنجاز فقط” إلى منطق إدارة الأصول الطرقية، بما يضمن التحكم في الكلفة على المدى المتوسط والطويل، وتحسين جودة الخدمة.
رابعًا: الموانئ والمنشآت البحرية… بنية تحتية داعمة للاقتصاد الوطني
تعكس مشاريع الموانئ، سواء الجارية أو المبرمجة، رؤية متقدمة لدور البنية التحتية البحرية في التنمية. فاستكمال تأهيل ميناء نواذيبو المستقل، وميناء المياه العميقة، وتعميق ميناء تانيت، تشكل تحديات هندسية عالية تتطلب خبرات متخصصة في الجيوتقنية، والهيدروليك البحري، وحماية السواحل. كما أن مشاريع الدراسة، مثل إعادة تأهيل ميناء الصداقة وميناء اليابسة في كوكي الزمال، تفتح آفاقًا لوجستية جديدة تخدم التجارة والأمن الغذائي.
خامسًا: المياه والصرف الصحي… هندسة الحياة والاستقرار
في مجال المياه، يجمع البرنامج بين الحلول التقليدية والبدائل الاستراتيجية، من خلال زيادة إنتاج حقول إديني واظهر، وتزويد المدن والقرى بالماء الصالح للشرب، إلى جانب مشاريع التحلية الكبرى في نواكشوط ونواذيبو. هندسيًا، تمثل محطات التحلية مشاريع معقدة تتطلب تحكمًا عاليًا في التشغيل والصيانة، وتُعد استثمارًا استراتيجيًا في أمن المياه.
كما أن مشاريع السدود، مثل سد الطرف المهرود وسد كاراكورو، إلى جانب توسيع شبكات الصرف الصحي، تندرج ضمن رؤية متكاملة لإدارة الموارد المائية وحماية الوسط الحضري.
سادسًا: البرامج المندمجة ذات البعد العمراني… تخطيط شامل ومتناسق
تُعد برامج تنمية نواكشوط، وحركيتها، وفك العزلة عن المناطق الداخلية، والبرنامج الاستعجالي للخدمات الأساسية، إطارًا مؤسسيًا يضمن التكامل بين مختلف المشاريع، ويمنح للمهندس دورًا محوريًا في التنسيق بين التخطيط العمراني، البنية التحتية، والخدمات.
من منظور قطاع البناء والأشغال العمومية، تمثل سنة 2026 سنة أوراش كبرى بامتياز، ليس فقط من حيث حجم الاستثمارات، بل من حيث التحول النوعي في الرؤية. فالتركيز على الطرق، الجسور، الموانئ، المياه، والطاقة، يفتح فرصًا حقيقية لشركات الأشغال، ومكاتب الدراسات، ومكاتب الرقابة والمتابعة، ويؤسس لمرحلة يكون فيها الجودة، الصيانة، وفك العزلة عناوين رئيسية للعمل العمومي.
إن هذا البرنامج الحكومي، بما يحمله من عمق تقني وتخطيط استراتيجي، يؤكد أن البنية التحتية لم تعد مجرد مشاريع منفصلة، بل أصبحت سياسة تنموية متكاملة، يكون فيها المهندس في قلب القرار والتنفيذ.
المهندس محمد محمود ولد الصيام









