أخباراليوم. ما يجري اليوم من حملات استهداف مبكرة لوزير الصحة ووزيرة التربية، بعد أسابيع قليلة من تسلّمهما لمهامهما، يطرح سؤالًا جوهريًا لا يمكن القفز عليه:
هل نريد فعلًا إصلاحًا حقيقيًا، أم نبحث فقط عن كبش فداء جديد نعلّق عليه فشل سياساتٍ تراكمت عبر عقود؟
إن قطاعي الصحة والتعليم ليسا في أزمة عابرة، ولا يعانيان من اختلالات طارئة، بل هما نتاج فساد بنيوي متجذّر، تشكّل عبر سنوات طويلة من سوء التسيير، وغياب الرؤية، وتدوير نفس الأسماء، واحتكار الشأن العام داخل دائرة ضيقة منذ فجر الاستقلال.
نقص الأجهزة الطبية الحيوية، من سكانير وأجهزة ARM، وأجهزة تصفية الكلى للأطفال والكبار، ونقص الأسرة، خصوصًا للنساء الحوامل، وشحّ الأدوية، وفوضى توريدها وتزويرها، وغياب الأطباء والممرضين، وانتشار الزبونية والرشوة…
كلها وقائع معروفة، عاشها المواطن يوميًا، واشتكى منها المهنيون قبل غيرهم، ولم تولد مع هذا الوزير، ولن تُحلّ بقرار إداري سريع.
إن محاكمة وزير صحة لم يُكمل ثلاثة أشهر في منصبه على خراب عمره عشرات السنين ليست نقدًا، بل هروب من المسؤولية التاريخية، وتضليل للرأي العام عن جوهر الأزمة الحقيقي.
أما الزجّ بملفات ذات طابع مالي واقتصادي – كقضية “أكنام” – في مواجهة وزير الصحة، فهو خلط متعمّد بين المستويات، لأن جوهر الإشكال لا يكمن في الأشخاص، بل في نموذج إدارة الدولة الذي جعل من الجباية – التي تمثل نحو 75% من الميزانية – عبئًا متزايدًا على المواطن، دون أن تنعكس:
على رواتب التعليم والصحة
ولا على وضع الجيش
ولا على البنية التحتية
ولا على الطرق
ولا على الكهرباء والماء
ولا على التجهيزات الطبية
ولا على جودة التعليم
وهنا مكمن الخلل الحقيقي.
إن ما يميّز وزير الصحة ووزيرة التربية اليوم ليس العصمة من الخطأ، بل انتماؤهما إلى جيل شاب، نعلّق عليه – بوعي – أملًا في تغيير الأسلوب، لا في تلميع الأشخاص.
جيل لم يكن جزءًا من منظومة توريث المناصب، ولا من ثقافة تدوير الوجوه نفسها بين الوزارات والمؤسسات، ولا من احتكار القرار داخل شبكات مغلقة عاشت على الدولة أكثر مما خدمت الدولة.
وزير الصحة طبيب، يعرف واقع المستشفيات من الداخل، ويعرف معاناة المرضى والطاقم الصحي، لا من خلال التقارير، بل من خلال الممارسة.
ووزيرة التربية تقود قطاعًا لا يقل خطورة، لأنه يصنع مستقبل البلاد أو يدمّره.
الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح، بعيدًا عن المزايدات:
> لا إصلاح بلا وقت،
ولا إصلاح بلا دعم سياسي،
ولا إصلاح مع بقاء نفس العقليات التي صنعت الأزمة.
وإذا لم نكسر اليوم حلقة تدوير الفشل، ونمنح فرصة حقيقية لنهج جديد في التسيير، فإننا سنظل نغيّر الوجوه، ونحتفظ بنفس النتائج.
النقد حق، بل واجب،
لكن الإنصاف واجب أيضًا.
والمحاسبة مطلوبة،
لكن بعد تمكين، لا قبل خنق.
أما تحويل كل محاولة تغيير إلى معركة استنزاف مبكرة، فلن يخدم المريض، ولا التلميذ، ولا الوطن،
بل سيخدم فقط من يخشى أن يُفتح ملف الماضي…
والماضي، مهما طال، لا يمكن أن يكون مستقبل هذا البلد.









