أخبار اليوم اليوم. لا يمكن فهم الإرهاق الفردي في موريتانيا بوصفه حالة نفسية معزولة عن الإطار القانوني والدستوري الذي يُفترض أنه ينظّم العلاقة بين الدولة والمواطن. فالدستور، من حيث المبدأ، لا يُكتب فقط لضبط السلطة، بل لضمان شروط العيش الكريم، والكرامة، والاعتراف. وحين تتسع الفجوة بين النص والممارسة، لا يكون الثمن سياسيًا فقط، بل إنسانيًا وجسديًا أيضًا.
ينصّ الدستور الموريتاني، في روحه ومبادئه العامة، على كرامة الإنسان، والمساواة، وحماية الحقوق الأساسية، وحرية التعبير، والإنصاف. غير أن هذه المبادئ، حين لا تُترجم إلى سياسات عمومية عادلة، ولا إلى ممارسات إدارية منصفة، تتحوّل من ضمانات إلى وعود مؤجَّلة. ومع الزمن، لا تبقى هذه الوعود في المجال العام، بل تنتقل إلى الداخل الفردي بوصفها خيبة متراكمة.
الإرهاق هنا لا ينتج عن غياب النص، بل عن ضعف فعاليته.
فالمواطن الذي يعلم أن له حقوقًا دستورية، لكنه لا يلمس أثرها في حياته اليومية، يُدفع إلى التكيّف بدل المطالبة، وإلى الصمت بدل الاحتجاج، وإلى تحميل نفسه عبء ما يفترض أن تتحمّله الدولة ومؤسساتها.
في هذا السياق، تتحوّل الذاكرة الفردية إلى سجلّ غير معلن لخرق مبدأ المشروعية.
قرارات إدارية لا تُعلَّل، مسارات مهنية لا تقوم على معايير واضحة، تفاوت في الولوج إلى الفرص والخدمات، وانتقائية في تطبيق القانون. كل هذه الممارسات لا تُنتج فقط شعورًا بالظلم، بل تُراكم داخل الفرد إحساسًا دائمًا بعدم الأمان القانوني.
الدولة، حين لا تحمي المواطن من التعسّف، تُجبره ضمنيًا على حماية نفسه بالصمت.
وهنا، يصبح التحمّل سلوكًا مفروضًا، لا خيارًا أخلاقيًا. ويغدو “الاستقرار” مبرّرًا لتعليق الحقوق، وتأجيل العدالة، وتطبيع الخلل، إلى أن يتحوّل هذا التعليق إلى نمط حياة.
من منظور دستوري، هذا الوضع يُمثّل خللًا مزدوجًا:
خللًا في احترام مبدأ المساواة أمام القانون، وخللًا في مبدأ الثقة المشروعة التي يفترض أن تربط المواطن بالمؤسسة. وحين تتآكل هذه الثقة، لا ينهار النظام فجأة، بل يُنتج مواطنًا مرهقًا، متيقّظًا، يحسب خطواته وكلماته، لأن القانون لم يعد بالنسبة له حماية، بل مجالًا للشكّ.
الذاكرة، في هذا الإطار، لا تحمل فقط تجارب شخصية، بل تحمل تجارب مع الإدارة، ومع القضاء، ومع الخطاب الرسمي. وكل تجربة لم تجد إنصافًا قانونيًا، تُخزَّن بوصفها احتياطًا من الحذر، والشكّ، والخوف من التكرار. ومع الزمن، يصبح هذا المخزون عبئًا نفسيًا وجسديًا، لا لأنه ذاتي، بل لأنه نتاج ممارسة عمومية غير منصفة.
التعب الذي يظهر على الأفراد ليس دائمًا دليل ضعف، بل في كثير من الأحيان أثر لغياب العدالة الإجرائية. فحين لا يُطبَّق القانون بانتظام، ولا تُضمن الشفافية، يُطلب من المواطن أن يعوّض هذا الخلل داخليًا: بالصبر، وبالتكيّف، وبخفض سقف التوقّعات.
لكن الدستور لا يُصمَّم ليُقرأ كخطاب أخلاقي، بل كأداة إلزام.
وحين لا تُفعَّل هذه الأداة، يتحوّل الحق إلى عبء، والمعرفة إلى قلق، والوعي إلى إرهاق. إذ لا شيء يُتعب الإنسان أكثر من أن يعرف ما له… دون أن يستطيع الوصول إليه.
من هنا، فإن معالجة الإرهاق الصامت لا تمرّ فقط عبر الخطاب النفسي أو الثقافي، بل عبر إعادة الاعتبار لوظيفة القانون:
قانون يُطبَّق، لا يُنتقى.
مؤسسات تُنصف، لا تُكيّف.
وإدارة تُعلّل قراراتها، لا تفرضها.
حين تُستعاد هذه الوظيفة، لا تتحسّن المؤشرات فقط، بل يخفّ العبء عن الذاكرة الفردية. فالقانون العادل لا يحمي الحقوق فحسب، بل يحرّر الأرواح من حمل ما لا يجب أن تحمله أصلًا.
ذلك أن الدولة التي تُتقن تطبيق دستورها، تُجنّب مواطنيها إرهاقًا لا يُرى… لكنه يُنهكهم ببطء.
وكالة أخبار اليوم