العدالة الجبائية: من دولة الريع إلى دولة الدستور

author
0 minutes, 0 seconds Read

 

أخبار اليوم.    لم يعد النقاش حول الجباية نقاشًا ماليًا صرفًا، بل أصبح مسألة دستورية بامتياز، تمس جوهر العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن. فالدستور، حين يقر مبدأ المساواة أمام الأعباء العامة، لا يمنح الدولة شيكًا مفتوحًا للجباية، بل يُقيّدها بقاعدة العدالة والإنصاف، ويجعل الضريبة أداة تضامن لا وسيلة استنزاف.

إن الدولة الريعية، حين تعجز عن تنويع اقتصادها، تميل إلى تضخيم المكس وتعويض ضعف الإنتاج بتوسيع قاعدة التحصيل، فينشأ خلل دستوري صامت: تساوي في الجباية، يقابله تفاوت في الأثر والقدرة والانتفاع. وهنا تفقد الضريبة معناها الدستوري، وتتحول من مساهمة عادلة في الشأن العام إلى عبء غير متكافئ، يضرب الفئات الأضعف ويُعمّق الشعور بالغبن.

فالعدالة الجبائية، كما يقتضيها منطق الدستور، لا تقوم على مقدار ما يُجبى، بل على تناسب الضريبة مع القدرة التكليفية، ووضوح وجهتها، وعدالة مردودها. ولا يستقيم هذا المبدأ في ظل اقتصاد ريعي يجعل من الجباية مصدره الرئيسي، دون أن يترجم ذلك إلى خدمات عمومية، أو حماية اجتماعية، أو بنية إنتاجية تقلّص الحاجة إلى المكس أصلًا.

ومن هنا، فإن أي حوار سياسي يُراد له أن يكون صادقًا، خاصة في ظل نفي القيادة السياسية لأي أهداف شخصية، يجب أن يضع في صلبه هذا السؤال الدستوري:
كيف نعيد مواءمة السياسة الجبائية مع مبدأ الإنصاف الضريبي؟
وكيف ننتقل من دولة تعتمد على الجباية لتغطية عجز الإنتاج، إلى دولة تحمي العدالة الجبائية عبر توسيع قاعدة الثروة، لا قاعدة التحصيل؟

إن التحول إلى دولة منتِجة ليس خيارًا اقتصاديًا فحسب، بل هو استحقاق دستوري، لأن الدولة التي تُكثر من المكس تُضعف المساواة، وتُرهق الشرعية، وتُراكم شعورًا عامًا بأن الأعباء لا تُقابل بحقوق.
وحين تغيب العدالة الجبائية، لا تعود المشكلة في ضعف الموارد، بل في اختلال الثقة.

لهذا، فإن الحوار الوطني، إذا أراد أن يتجاوز إدارة الأزمة إلى معالجتها، مطالب بأن يجعل من الإنصاف الضريبي بوابة الإصلاح، ومن تقليص منطق المكس نتيجة طبيعية لبناء اقتصاد منتج، لا مجرد قرار إداري مؤقت.

فالدولة، في ميزان الدستور، لا تُقاس بما تجبيه،
بل بما تُنصف.

Similar Posts