أخبار اليوم. شهدت الميزانية العامة للدولة الموريتانية خلال السنوات الأخيرة قفزة غير مسبوقة، إذ انتقلت من 518 مليار أوقية سنة 2018 إلى أكثر من 1321 مليار أوقية في أفق 2026. وبالمنطق الحسابي، نحن أمام تضاعف كبير في الموارد المعلنة. غير أن المفارقة الصارخة تكمن في أن هذه الزيادة لم تنعكس تحسنًا في معيشة المواطن، ولا نهضةً اقتصاديةً تُبرّرها.
فالمواطن البسيط لم يلمس أثرًا حقيقيًا لهذه الأرقام: لا في الأجور، ولا في فرص العمل، ولا في الخدمات، ولا في بنية تحتية كبرى تُغيّر وجه البلاد. بل على العكس، ازداد الغلاء، وتدهورت القدرة الشرائية، واتسعت رقعة الفقر، وكأن الميزانية تنمو في عالم موازٍ لا صلة له بحياة الناس.
لماذا ترفض الحكومات رفع الأجور؟
تُبرّر الحكومات المتعاقبة تجميد الأجور أو زيادتها بشكل هزيل بذريعة الخوف من التضخم واختلال التوازنات المالية. ويُقدَّم هذا التخوف وكأنه حقيقة علمية لا تقبل النقاش. غير أن هذا التبرير يخفي أكثر مما يوضح.
فالتضخم في موريتانيا لا ينشأ أساسًا من رفع أجور الموظفين والعمال، بل من الاحتكار، والفساد، وضعف الرقابة على الأسواق، والاعتماد المفرط على الاستيراد، وسوء إدارة الموارد. والدليل أن الأسعار ترتفع باستمرار رغم تجميد الأجور، ما يعني أن المواطن يدفع ثمن التضخم دون أن يكون سببًا فيه.
ثم إن رفع الأجور، إذا تم في إطار رؤية اقتصادية متكاملة، ليس عبئًا بل محركًا للنمو: فهو ينعش الطلب الداخلي، ويُحرّك الاقتصاد المحلي، ويخفف الاحتقان الاجتماعي. أما الخوف الحقيقي الذي لا يُقال صراحة، فهو أن رفع الأجور يحدّ من الفوائض التي تُستنزف في الامتيازات، والصفقات، والنفقات غير المنتجة.
ميزانية بلا عدالة اجتماعية
إن غياب الزيادة الحقيقية في الأجور يقابله تضخم في نفقات أخرى لا تعود بأي نفع عام: تعويضات، سيارات، سفريات، بعثات، ومؤسسات موازية. وهكذا تتحول الميزانية إلى أداة لإدامة نمط عيش فئة محدودة، بدل أن تكون وسيلة لتحسين شروط حياة الأغلبية.
وفي ظل هذا الاختلال، لا غرابة أن تنبت أوليغارشية جديدة من رجال الأعمال والمسؤولين وأقاربهم، تتراكم ثرواتهم بسرعة مذهلة، ويُظهرون بذخًا فاحشًا داخل البلاد وخارجها، في تناقض فاضح مع واقع مجتمع يعاني أغلب أفراده من الحرمان.
حين يُعاقَب القاضي ويُكافَأ الفاسد
الأخطر من الفساد المالي هو تقويض العدالة. فقد عرف الرأي العام حالات لرجال أعمال ثبت قضائيًا تورطهم في الغش أو خيانة الأمانة في إنجاز مشاريع عمومية، ومع ذلك لم يُعاقَبوا، بل تم في المقابل استهداف القاضي الذي أصدر الحكم ضدهم، سواء بالنقل أو التهميش أو العقوبة المباشرة.
هذه الممارسات لا تعني فقط حماية الفساد، بل توجيه رسالة مرعبة مفادها أن العدالة لها سقف، وأن من يقترب من شبكات النفوذ يدفع الثمن. وفي مثل هذا المناخ، لا يمكن الحديث عن دولة قانون، ولا عن استثمار نزيه، ولا عن ثقة عامة.
التعاقد المفتوح: بوابة جديدة للمحسوبية
ومن مظاهر الاختلال البنيوي أيضًا شيوع الاكتتاب عبر التعاقد لمدة غير محدودة، خارج المسابقات والضوابط الصارمة، حيث تُفتح الأبواب أمام أبناء النافذين والمقرّبين، بينما يُقصى آلاف الشباب المؤهلين.
هذا النمط من التوظيف لا يضرب فقط مبدأ تكافؤ الفرص، بل يُحوّل الوظيفة العمومية إلى غنيمة، ويُعمّق الإحساس بالظلم، ويُغذّي اليأس والهجرة والاحتقان الاجتماعي. وهو في جوهره شكل آخر من أشكال الفساد المقنَّع بالقانون.
دولة بلا قطيعة
إن استمرار نفس الوجوه، ونفس رجال المال، ونفس الأساليب، عبر عهود مختلفة، يكشف أننا أمام دولة استمرارية لا دولة إصلاح. تتغير الخطابات، وتتبدل الشعارات، لكن البنية العميقة تبقى على حالها: لا محاسبة حقيقية، ولا عدالة اجتماعية، ولا توزيع منصف للثروة.
الخلاصة
إن زيادة الميزانية في بلد غني بالموارد وقليل السكان كان يفترض أن تكون فرصة تاريخية لتحسين الأجور، وخفض البطالة، وبناء بنية تحتية حديثة، وترسيخ العدالة. لكنها تحولت، في غياب الحكامة والمساءلة، إلى رقم أجوف يُستخدم لتزيين الخطاب الرسمي.
وما لم تتحول الميزانية من أداة لإدارة النفوذ إلى أداة لإنصاف المواطن، ومن حماية الفاسدين إلى حماية القضاة، ومن توظيف المحسوبية إلى تكافؤ الفرص، فستظل الأرقام تكبر… ويكبر معها الغضب الصامت.
