تحوّر المؤسسة العسكرية وشرعية الواجهة: كيف يُدار الحكم باسم الدستور وتحت وصاية الدائنين

author
0 minutes, 0 seconds Read

 

أخبار اليوم.     ليس أخطر على الدول الهشة من أن تتحوّل مؤسساتها السيادية إلى واجهات شكلية تُدار من خلفها السلطة الحقيقية، وتُستعمل لإيهام الداخل والخارج بوجود نظام دستوري قائم، بينما الواقع يُكذّب الشكل، والممارسة تُفرغ النصوص من معناها. وفي الحالة الموريتانية، يبدو تحوّر المؤسسة العسكرية، شكليًا لا جوهريًا، أحد أبرز مفاتيح فهم هذا الوهم المستدام.

لقد تعلّمت المؤسسة العسكرية، منذ عقود، كيف تغيّر جلدها دون أن تغيّر منطقها. انتقلت من الحكم المباشر إلى الحكم غير المباشر، ومن الظهور الصريح إلى التخفي خلف واجهات مدنية وانتخابية، ومن الانقلاب الفجّ إلى التدبير الناعم. غير أن هذا التحوّل لم يكن تعبيرًا عن قطيعة مع الماضي، ولا عن استجابة صادقة لمقتضيات الدولة الدستورية، بل كان، في جوهره، عملية تكيّف محسوبة هدفها حماية السيطرة، لا مغادرتها.

هذا التكيّف الشكلي لم يُوجَّه أساسًا إلى الداخل، حيث يدرك المواطن، بحكم المعايشة، حدود اللعبة وضيق هوامشها، وإنما وُجِّه بالدرجة الأولى إلى الخارج: إلى الشركاء، والهيئات الدائنة، ومؤسسات التمويل الدولية. هناك، تُقدَّم صورة نظام «مدني»، «منتخب»، «مستقر»، قادر على ضبط المجال العام، وتمرير السياسات المطلوبة، وضمان الحد الأدنى من الانضباط الاجتماعي. أما في العمق، فتبقى السلطة الفعلية أسيرة منطق الثكنة، وإن تخلّت عن بزتها.

وفي سبيل نيل هذه الشرعية الخارجية، لا يتردّد النظام في إعادة هندسة المشهد السياسي بما يضمن أمرين متلازمين: الامتثال لتوصيات الدائنين من جهة، وبناء تحالفات داخلية مع قوى ظلامية وعفنة من جهة أخرى. فالإصلاحات المطلوبة تُختزل في أرقام وتقارير، لا في تغيير بنيوي يمس توزيع السلطة والثروة. أما التحالفات، فتقوم على تبادل المنافع: حماية اجتماعية وسياسية لتلك القوى، مقابل شرعنة الأمر الواقع، وتطويق أي وعي نقدي يمكن أن يهدد استمرارية المنظومة.

هكذا، تُدار الدولة بعقلية الوصاية: وصاية خارجية تُحدّد الأولويات الاقتصادية، ووصاية داخلية تُقيّد السياسة، وتُحاصر المعرفة، وتُعيد إنتاج الجهل بوصفه شرطًا للاستقرار الزائف. فلا تعليم يتحرّر، ولا إعلام يستقل، ولا نخبة سياسية تُفرَز على أساس الكفاءة والبرنامج. بل يجري تحييد كل ما يمكن أن يُنتج وعيًا مواطنيًا مستقلًا، لأن هذا الوعي هو العدو الحقيقي لأي سلطة تقوم على التحايل لا على التفويض الشعبي.

وفي ظل هذا النموذج، لا غرابة أن تظل البلاد، رغم ثرواتها الباطنية الهائلة، عاجزة عن تحويل الإمكانات إلى تنمية، والموارد إلى عدالة، والنمو إلى رفاه عام. فما يُحصد من تلك الثروات ليس سوى النزر القليل، يُعاد توزيعه داخل دوائر ضيقة، بينما تُترك الأغلبية تحت نير الفقر والهشاشة وانسداد الأفق. إن اقتصاد الريع السياسي، حين يقترن بسلطة متخفية خلف واجهة دستورية، لا ينتج إلا مزيدًا من التبعية ومزيدًا من الإفقار.

إن أخطر ما في هذا التحوّر الشكلي للمؤسسة العسكرية أنه لا يكتفي بتعطيل الديمقراطية، بل يُفرغ فكرة الدستور ذاتها من معناها. فالدستور، في هذا السياق، لا يعود عقدًا اجتماعيًا ناظمًا للسلطة، بل يصبح أداة تجميل، تُستدعى عند الحاجة، وتُهمَّش عند الضرورة. والانتخابات لا تُنظَّم لتداول السلطة، بل لتجديد البيعة بأدوات حديثة.

إن كسر هذه الحلقة لا يكون بإصلاحات تجميلية، ولا بتبديل الوجوه، ولا بمزيد من التكيّف مع الخارج، بل بقرار وطني شجاع يعيد تعريف دور المؤسسة العسكرية، وحدودها، ووظيفتها، ويضع حدًا نهائيًا لخلط السلاح بالسياسة، والانضباط العسكري بالشرعية الدستورية. فإما دولة تُحكم بإرادة مواطنيها، أو سلطة تُدار باسمهم دونهم.

إن الشرعية الحقيقية لا تُستورد، ولا تُقايَض بالديون، ولا تُصنَع بالتحالف مع قوى التخلف. إنها تُبنى من الداخل، بالمعرفة، والحرية، والمساءلة، والعدالة. وما لم يُحسَم هذا الخيار، سيظل البلد يدور في حلقة الاستثناء، بواجهة دستورية، وجوهر سلطوي، وثمن اجتماعي يدفعه الفقراء وحدهم.

Similar Posts