عندما تتقاطع محاربة الفساد مع حدود القانون قراءة متزنة في قضية مخبر الشرطة الجنائي وجدلية التبليغ، السيادة، ودور القضاء

 

أخباراليوم.     تعدّ محاربة الفساد أحد العناوين الكبرى التي تُقاس بها جدية الدول في بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات. غير أن بعض القضايا، حين تتعقّد مساراتها، تطرح أسئلة دقيقة لا تتعلق بالفساد ذاته فقط، بل بكيفية تعاطي القانون معه، وبحدود أدوار الفاعلين المختلفين داخل الفضاء العام. وتأتي قضية مخبر الشرطة الجنائي، وما ارتبط بها من توقيف رئيس منظمة الشفافية، في صلب هذا الجدل.

من مشروع تقني إلى ملف محل نقاش عام

في أصلها، كانت صفقة بناء وتجهيز مخبر الشرطة الجنائي مشروعًا تقنيًا يهدف إلى تعزيز قدرات الدولة في مجال البحث والتحقيق الجنائي. وقد أُسند تنفيذ المشروع إلى شركة أجنبية بكلفة أولية قُدّرت بأربعة ملايين يورو، قبل أن يعرف تأخرًا في التنفيذ وارتفاعًا في الكلفة إلى حدود ستة ملايين يورو، وهو ما أثار تساؤلات مشروعة حول أسباب هذا الارتفاع ومبرراته.

تداولت الأوساط الإعلامية والرقابية معطيات تتحدث عن شبهات فساد ورشاوى محتملة، طالت مسؤولين سامين ووسطاء، مقابل تسهيل إسناد الصفقة. وهي معطيات، بحكم خطورتها، كان من الطبيعي أن تثير اهتمام الرأي العام، وأن تستدعي توضيحًا قضائيًا شفافًا.

دور منظمة الشفافية وحدود التبليغ

في هذا السياق، أعلنت منظمة الشفافية امتلاكها معطيات وأدلة قالت إنها جدية، وقدّمت بعضها إلى الجهات القضائية المختصة. ويُفهم هذا السلوك في إطار الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني، والمتمثل في التنبيه إلى مواطن الخلل والدعوة إلى المساءلة، دون أن تحلّ محل القضاء أو تصدر أحكامًا مسبقة.

غير أن مسار الملف عرف منعطفًا مهمًا مع قرار النيابة العامة حفظ القضية المتعلقة بالمسؤولين المعنيين، وهو قرار يندرج ضمن الصلاحيات القانونية للنيابة، لكنه في الوقت ذاته فتح نقاشًا عامًا حول معايير الحفظ، وحول الحاجة إلى مزيد من الشرح والتواصل مع الرأي العام في القضايا ذات الحساسية العالية.

التوقيف والجدل القانوني

أثار توقيف رئيس منظمة الشفافية، عقب تصريحات لوّح فيها باللجوء إلى القضاء الأجنبي عند تعذر الإنصاف داخليًا، نقاشًا واسعًا حول العلاقة بين حرية التعبير، ودور المجتمع المدني، واحترام السيادة القضائية.

يرى المدافعون عن قرار التوقيف أن الأمر يتعلق بتطبيق القانون، معتبرين أن التصريح بإمكانية تدويل القضية قد يُفهم على أنه مساس بهيبة القضاء الوطني، أو تجاوز للأطر المؤسسية المعتمدة. كما يشيرون إلى أن إعلان امتلاك أدلة قطعية دون صدور أحكام قضائية نهائية قد يُشكّل ضغطًا غير مقبول على مسار العدالة.

قراءة هادئة في المواقف المتقابلة

في المقابل، يرى آخرون أن هذه المقاربة القانونية، رغم وجاهتها الشكلية، تحتاج إلى النظر في السياق العام الذي صدرت فيه التصريحات، خاصة بعد حفظ الملف. فالتلويح باللجوء إلى القضاء الأجنبي لا يُطرح عادة إلا كخيار أخير، حين يشعر المعنيون بأن المسارات الداخلية لم تعد كافية لإقناع الرأي العام بجدية المعالجة.

ويُجمع الطرفان، وإن اختلفت زوايا النظر، على أن الإشكال لا يكمن في النصوص القانونية وحدها، بل في كيفية تفعيلها، وفي ضرورة التمييز بين حماية استقلال القضاء، وضمان حق المجتمع في الاطلاع والمساءلة.

خاتمة

إن قضية مخبر الشرطة الجنائي تبرز الحاجة إلى مقاربة متزنة تجمع بين احترام القانون، وصون السيادة القضائية، وتعزيز الشفافية في القضايا التي تمس المال العام. فالثقة لا تُبنى بالصمت، كما لا تُصان بالتجاذب، بل بتكريس قضاء مستقل، وتواصل مؤسسي واضح، ومجتمع مدني واعٍ بدوره وحدوده.

وفي هذا الإطار، تبقى معالجة مثل هذه القضايا اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة الدولة على تحقيق التوازن بين سلطة القانون وحق الرأي العام في الفهم والمساءلة.

  • Related Posts

    مطالب في السنغال بتكريم رجل الأعمال الموريتاني إسلمو تاج الدين

    أخبار اليوم.   برزت خلال زيارة الوزير الأول  الموريتاني المختار ولد اجاي ضمن وفد رفيع ضم 40 شخصية سامية للسنغال أصوات مطالبة بتكريم رجل الأعمال الموريتاني السيد إسلمو ولد تاج الدين.…

    اقرأ المزيد

    موريتانيا: ترشيح منصة “هويتي” لجوائز  Africa T-Awards 2025 

    أخبار اليوم.    اعتراف قاري يكرس ما حققته موريتانيا من تقدم في مجال الهوية الرقمية والأمن السيبراني وتحديث الخدمات العمومية المتمحورة حول المواطن.   تم ترشيح المنصة الرقمية “هويتي”، التي…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    • يناير 11, 2026
    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    الحوار الوطني والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    • يناير 6, 2026
    الحوار الوطني  والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    • يناير 5, 2026
    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    هل تعصف صفقة الطاولات بكبار مسؤولي وزارة التربية..؟

    • أغسطس 30, 2025
    هل تعصف صفقة الطاولات بكبار مسؤولي وزارة التربية..؟

    جمعية أشبال الكاراتيه تنظم نهائيات كأس عمدة تفرغ زينة للكاراتيه

    • مايو 26, 2025
    جمعية أشبال الكاراتيه تنظم نهائيات كأس عمدة تفرغ زينة للكاراتيه

    وزير الصيد يزور رفقة وفد تركي مؤسسات فحص وتعبئة وتصدير المنتوج السمكي بنواذيبو

    • مايو 4, 2025
    وزير الصيد يزور رفقة وفد تركي مؤسسات فحص وتعبئة وتصدير المنتوج السمكي بنواذيبو