أخبار اليوم. في كل مرة تستعد موريتانيا لإحياء مناسبة وطنية جامعة، يظهر اسم برام الداه اعبيد في واجهة الأحداث، لا بوصفه فاعلًا سياسيًا تقليديًا، بل باعتباره حالة جدلية تشتعل حولها الأسئلة أكثر مما تتضح حولها البرامج.
الأغرب أن حضوره السياسي كثيرًا ما يقترن بأزمات أو توترات أمنية واجتماعية، بعضها تطور إلى خسائر بشرية، خاصة في صفوف الشباب المنجرف وراء شعارات عالية السقف. ويترشح للرئاسة في أكثر من مناسبة، وفي كل مرة يكون قد خرج حديثًا من السجن… دون أن يمتلك الحد الأدنى من التزكيات المطلوبة قانونًا للمنافسة (من عمد ومستشارين بلديين)، وهي تزكيات صادرة أصلًا من معسكر الأغلبية الحاكمة، مما يثير سؤالًا جوهريًا:
> كيف يُزكّي “النظام” من يفترض أنه خصمه الأكثر شراسة؟
هذا السؤال لا يُطرح من فراغ. فكل مراقب للشأن السياسي يدرك أن الاصطفافات في موريتانيا ليست ثابتة ولا صافية، وأن لعبة التوازنات قد تقتضي وجود أصوات تصعيدية تتجاوز حدود النقد السياسي إلى حافة الفوضى… ثم تتراجع فجأة. وهو ما يجعل بعض المحللين يعتبرون أن برام يؤدي دورًا أقرب إلى وظيفة سياسية منه إلى مشروع نضالي واضح المعالم.
خطاب أمام الاتحاد الأوروبي… يوم العيد الوطني!
بلغ الجدل ذروته عندما اختار برام الداه اعبيد – وفريق محدود من أنصاره – أن يتوجّه بخطاب حاد أمام الاتحاد الأوروبي في اليوم الذي تحتفل فيه البلاد بعيد الاستقلال.
خطاب قاطع الاحتفال الوطني واتّهم موريتانيا بأنها تسير نحو نموذج من الأبارتايد!
لكن المفارقة الصارخة أن من يطلق هذا الاتهام نفسه، هو نائب في البرلمان، ويعيش في أحياء متداخلة سكنيًا مع كافة الشرائح، تمامًا كما يفعل رفاقه: مريم الشيخ، قامو، خالي جالو وغيرهم… وجميعهم وصلوا إلى مواقعهم عبر صناديق الاقتراع. بل إن أبناء جميع الشرائح يتعلمون في المدارس ذاتها ويتعالجون في المستشفيات ذاتها، ويتزاوجون، ويعملون سويًا في المؤسسات الحكومية والخاصة.
إذن:
> هل توجد بالفعل منظومة “تمييز ممنهج” أم أن الخطاب الحقوقي جرى تسييسه واستثماره خارجيًا؟
وأين تنتهي حقوق الإنسان… وأين يبدأ تسويق الأزمات للجهات المانحة والنفوذ الدولي؟
بين “الضغط الخارجي” و“تدويل الملف الداخلي”
ليس سرًا أن بعض النشطاء السياسيين يجدون في أوروبا فرصة لبناء مسار شخصي أو حزبي؛ وقد يكون هذا مفهومًا حين يتعلق بالحصول على اللجوء أو المنح الدراسية أو فرص العيش الكريم للأسرة، كما اللواتي ربما تمثلهما حالات مثل: مريم الشيخ و قامو.
لكن هذه “البراغماتية الشخصية” تتجاوز أحيانًا حدود المقبول عندما تتحول إلى إدانة وطنية شاملة يقدمها صاحبها باسم شريحة كاملة من الشعب.
إن الخطاب الموجَّه للجهات الخارجية يحتاج إلى دقة عالية، لأن:
الخارج لا يرى التفاصيل الداخلية… بل يكتفي برواية من يتكلم أمامه.
توظيف كلمة “أبارتايد” ليس توصيفًا حقوقيًا فقط… بل تصنيف دولي خطير.
أحيانًا يكفي خطأ في الخطاب لتصبح سمعة وطن بأكمله على المحك.
وهنا يصبح السؤال ملحًّا:
> هل برام يمارس النضال الحقوقي الحقيقي؟ أم أنه يحاول أداء دور سياسي مُسنَد ووظيفة غير مُعلنة في لعبة الضغط والتوازنات؟
الواجب الأخلاقي والسياسي
ليس من الخطأ المطالبة بالحقوق، بل الخطأ الأكبر هو تشويه الواقع وتوسيع الخلافات كي تتحول إلى نزاعات هوياتية. لأن موريتانيا – على هشاشتها – ما تزال تحتفظ بمستوى من التعايش قلّ أن يوجد في المنطقة:
نواب من مختلف الشرائح.
عمد ومستشارون محليون من مختلف الخلفيات.
طلبة في نفس المدارس.
زواج طبيعي بين الأسر.
غياب أحياء مغلقة حسب اللون أو العرق.
فإن كان هذا واقعًا ملموسًا، فمن حقنا أن نتساءل:
> هل خطاب برام يُصلح الواقع… أم يمنح خصوم البلاد فرصة تمزيق بنيتها الهشة؟
خاتمة: السياسة ليست مسرحًا مفتوحًا
السياسة ليست صخبًا دائمًا ولا تصعيدًا بلا سقف.
ومن حق الشباب أن يجدوا من يقودهم نحو الوعي لا نحو الاصطدام… نحو بناء وطن لا معارضته فقط… نحو تعديل أخطاء النظام لا تصويره كوحش أسطوري.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث:
> أن يصبح الوطن وسيلة… بدل أن يبقى غاية.
ولأن اللحظة الإقليمية والدولية بالغة الحساسية، فإن اللعب بورقة “التمييز” أو “الفصل العنصري” قد يتجاوز صاحبه… ويصيب البلد كله.
لذلك فإن السؤال لم يعد: ماذا يقول برام؟
بل أصبح:
لمن يقول… وباسم من؟ وأي مشروع ينتظرنا بعد ذلك؟
