الثورة الرقمية وتحدياتها أمام المجتمع الموريتاني / القطب سيداتي

أخبار اليوم.    تُعد الثورة الرقمية ووسائط الإعلام الجديد سلاحاً ذا حدّين؛ فقد فتحت أمام البشرية آفاقاً غير مسبوقة للتواصل والمعرفة وتبادل الخبرات، لكنها في الوقت نفسه فرضت تحديات هائلة على مختلف المجتمعات. وتزداد وطأة هذه التحديات على المجتمعات الأكثر هشاشة والأقل قدرة على التكيّف مع التحولات المتسارعة، ومنها المجتمع الموريتاني.

لقد دخلت وسائل التواصل الاجتماعي فضاءنا العمومي بسرعة خاطفة، قبل أن يتهيأ الرأي العام ونُخبه لضبط إيقاعها أو استثمارها في البناء. فبدل أن تتحول هذه المنصات إلى ميادين للنقاش المسؤول وتلاقح الأفكار وإثراء الديمقراطية، كثيراً ما تحولت إلى منصات للتناحر وتبادل الشائعات، وإلى بؤر لتغذية الكراهية والشرائحية والقبلية والجهوية. وهذه الظواهر، التي تعكس هشاشة البنية الاجتماعية، تجد في الوسائط الرقمية أرضاً خصبة لتنتشر بسرعة مضاعفة، مؤثرةً في الاستقرار والسلم الأهلي.

إن التحدي الحقيقي الذي يفرضه هذا الواقع لا يقتصر على ضبط المحتوى أو ملاحقة خطاب الكراهية فحسب، بل يكمن في بناء وعي جماعي قادر على تمييز الغث من السمين، وإنتاج مضامين توازي سرعة الانتشار وقوة التأثير. فالمجتمعات التي تعجز عن بناء خطاب إيجابي جامع سرعان ما تقع فريسة للخطابات التفكيكية التي تهدد كيانها ومشروعها الوطني.

ولذلك، فإن مسؤولية النخب الموريتانية – السياسية والفكرية والثقافية والإعلامية – تتضاعف اليوم. ومن أهم الأدوار التي يتعين عليها الاضطلاع بها:
1.    ترشيد الخطاب العام: بالابتعاد عن لغة التهييج، واعتماد خطاب وحدوي يعزز المشترك الوطني، ويرسخ قيم المواطنة فوق الانتماءات الضيقة.
2.    إنتاج محتوى رقمي إيجابي: عبر تشجيع المبادرات الشبابية والإعلامية التي تقدم نماذج مضيئة عن التعايش، وتسلط الضوء على التجارب الوطنية الجامعة.
3.    تعزيز التربية الإعلامية والرقمية: من خلال دمج برامج في المدارس والجامعات تُعنى بمهارات التفكير النقدي وكيفية التعامل مع المعلومات المضللة.
4.    بناء أطر قانونية وتشريعية توازن بين حرية التعبير وحماية المجتمع من خطابات التحريض والكراهية، دون أن تتحول إلى أدوات للتكميم.
5.    فتح فضاءات حوار حقيقي تشارك فيه مكونات المجتمع كافة، بما يتيح التعبير عن الهواجس في بيئة آمنة ومؤسساتية بدل الانزلاق نحو التفجر الرقمي غير المنضبط.

إن الثورة الرقمية قدرٌ لا مهرب منه، ولا يمكن مواجهتها بالمنع أو الانغلاق، وإنما بالوعي والتأطير والإنتاج. وموريتانيا، بما تملكه من رصيد ثقافي وديني وتاريخي، قادرة – إن تضافرت جهود نخبتها – على تحويل التحدي إلى فرصة، وعلى جعل الفضاء الرقمي رافعة للوحدة والتنمية بدل أن يكون معول هدم للنسيج الاجتماعي.

القطب سيداتي
كاتب وباحث
رئيس تجمع كفاءات في خدمة الوطن

  • Related Posts

    لاس بالماس: موريتانيا والاتحاد الأوروبي يبحثان شراكتهما في قطاع الصيد

    أخبار اليوم.   انطلق -اليوم الاثنين بمدينة لاس بالماس- اجتماع اللجنة المشتركة لاتفاقية الشراكة في قطاع الصيد بين موريتانيا والاتحاد الأوروبي.   وقالت وزارة الصيد في منشور على فيسبوك إن هذا…

    اقرأ المزيد

    حزب تواصل يختتم مؤتمرالاستثنائي( بيان)

    بسم الله الرحمن الرحيم التجمع الوطني للإصلاح والتنمية”تواصل إيجاز صحفي انطلقت أشغال المؤتمر الاستثنائي الأول لحزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية”تواصل” السبت  4 شعبان 1447 الموافق  24 يناير 2026 حيث افتتح…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    • يناير 11, 2026
    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    الحوار الوطني والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    • يناير 6, 2026
    الحوار الوطني  والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    • يناير 5, 2026
    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    هل تعصف صفقة الطاولات بكبار مسؤولي وزارة التربية..؟

    • أغسطس 30, 2025
    هل تعصف صفقة الطاولات بكبار مسؤولي وزارة التربية..؟

    جمعية أشبال الكاراتيه تنظم نهائيات كأس عمدة تفرغ زينة للكاراتيه

    • مايو 26, 2025
    جمعية أشبال الكاراتيه تنظم نهائيات كأس عمدة تفرغ زينة للكاراتيه

    وزير الصيد يزور رفقة وفد تركي مؤسسات فحص وتعبئة وتصدير المنتوج السمكي بنواذيبو

    • مايو 4, 2025
    وزير الصيد يزور رفقة وفد تركي مؤسسات فحص وتعبئة وتصدير المنتوج السمكي بنواذيبو