إلى نفسي وإلى كلِّ صاحبِ هَمٍّ- فؤاد علوان

أخبار اليوم.    قرأت ذات مرة- لا أذكر أين بالتحديد- أن التفكير هو أشق عملية يمكن أن يقوم بها الإنسان، والمقصود بالتفكير هنا هو التفكير الذي يُنتِج فكرة جديدة، أو يُُوجِد حلًّا  لمشكلة، أو يُلقي بحجر في الماء الراكد، أو يغير مذاقات الأشياء أوألوانها أو روائحها.
ولعل هذه هي فلسفة الدراسات العليا في الجامعات ومراكز البحث، أنها تنطلق غالبًا من مشكلة، يسمونها (مشكلة البحث)؛ حتى لا تكون الدراسات والأبحاث بمعزل عن الواقع والحياة، أو تكون بغير فائدة.
إن المتأمل إلى تراثنا الإسلامي يعجب مما يحتويه من قدرات فكرية عميقة، وتجلِّيات عقلية هائلة ورشيدة، فلم تكن نشأة كثير من العلوم العربية والإسلامية إلا صدًى لهذه المَلَكات الفكرية والعقلية؛ إذ لم يحصر المسلمون الأوائل أنفسهم في دائرة فكرية ضيقة، تُجَمِّد عقولهم، أوتجعلها عقيمة لا تَبِيضُ ولا تُفرِّخ.
علِم السابقون أن لكل شيء أصولًا وفروعًا، وعلِموا كذلك أن للدين أصولًا وفروعًا، أما الأصول فدائرة ضيقة محدودة، وأما الفروع فدائرة رحبة وممتدة، فالتزَموا بالأصول، ووقفوا عند حدودها، وانطلقوا في الفروع بحثًا ودراسة ونقاشًا، فأبدعوا، وولَّدوا الأفكار، ووضعوا التصورات، واقترحوا الحلول، واجتهدوا، وظل باب الاجتهاد عندهم مفتوحًا، واستمر الإنتاج العقلي والفكري يتراكم ويتزاحم، ويتكامل ويتعاظم، فحدث الثراء، ووجد الناس حلولًا  متنوعة ومتعددة، وفقًا للزمان والمكان والأحوال.
إن كثيرًا من الأزمات قد تنشأ وتطول؛ بسبب الجمود الفكري، وعدم الجرأة على كسر هذا الجمود؛ إما خوفًا  من جمهور المُقَلِّدين، أو استصعابًا لاقتلاع الموروث الضارب بجذوره في أعماق العقول والقلوب، أو يأسًا من الأوضاع السائدة، أو توقُّعًا لمصيرٍ يشبه مصير تجاربَ سابقة.
الأفكار الجديدة والجريئة لها أعداءٌ كُثُر، وبخاصة في مَهْدِها.
فيا أصحاب العزائم، اتبعوا سبيل أسلافكم المفكرين .. تعلموا مهارات التفكير، ومارِسوا مهارات التفكير، وأطلقوا العنان للتفكير، واكسروا الجمود، وحطِّموا أغلال التقليد، وامتلكوا الجرأة على التغيير والتحسين والتطوير، واستعدوا لدفع ضريبة ذلك، فلعل أوضاعًا  قائمة، بحاجة إلى تطوير، أو تعديل، ولا داعي للإكثار من قوائم الثوابت، وتوسيع دائرة الأصول، أو التشبث بكل قديم.
أعيدوا النظر والتأمل في الموروثات، وجدِّدوا ما بَلِيَ منها؛ فما التجديدُ على رأس كل مائة إلا بهذا النهج، وتلك الطريقة.
نسأل الله العون والتوفيق والسداد.

  • Related Posts

    اختتام الدورة العادية الأولى من السنة البرلمانية 2025-2026

    أخبار اليوم.    اختتمت مساء اليوم الجمعة الدورة العادية الأولى من السنة البرلمانية 2025-2026، وذلك بحضور عدد من أعضاء الحكومة. وتميز حفل الاختتام بخطاب لرئيس الجمعية الوطنية، السيد محمد بمب…

    اقرأ المزيد

    النيجر: إحباط هجوم مسلح على قاعدة عسكرية وسقوط عشرات القتلى

    أخبار اليوم.    أعلنت وزارة الدفاع الوطني في النيجر أن القاعدة الجوية رقم 101، المجاورة لمطار ديوري هاماني الدولي في نيامي، تعرضت لهجوم مسلح صباح أمس الخميس. وأوضح بيان رسمي…

    اقرأ المزيد

    مقابلات

    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    • يناير 11, 2026
    النفط الفنزويلي بين وهم القوة وحدود الهيمنة ياسين عبدالقادر الزوي / باحت في الشؤون

    الحوار الوطني والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    • يناير 6, 2026
    الحوار الوطني  والأهداف المنشودة ./ محمدمحمودعبدالجبار

    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    • يناير 5, 2026
    موريتانيا والدولة الريعية: حين ينكسر العقد الاجتماعي ويتحوّل الريع إلى بديل للشرعية

    هل تعصف صفقة الطاولات بكبار مسؤولي وزارة التربية..؟

    • أغسطس 30, 2025
    هل تعصف صفقة الطاولات بكبار مسؤولي وزارة التربية..؟

    جمعية أشبال الكاراتيه تنظم نهائيات كأس عمدة تفرغ زينة للكاراتيه

    • مايو 26, 2025
    جمعية أشبال الكاراتيه تنظم نهائيات كأس عمدة تفرغ زينة للكاراتيه

    وزير الصيد يزور رفقة وفد تركي مؤسسات فحص وتعبئة وتصدير المنتوج السمكي بنواذيبو

    • مايو 4, 2025
    وزير الصيد يزور رفقة وفد تركي مؤسسات فحص وتعبئة وتصدير المنتوج السمكي بنواذيبو