جرائم اللياقات البيضاء وتزوير الوثائق المدنية: خطر يهدد موريتانيا / أحمدو ولد امبارك – رئيس مركز ديلول للدراسات الاسراتيجية ـ نقيب سابق في الجيش الموريتاني

author
0 minutes, 2 seconds Read

أخبار اليوم.  تمثل جرائم اللياقات البيضاء أحد أخطر التحديات الاقتصادية والإدارية في المجتمعات الحديثة، حيث ترتكب من قبل شخصيات نافذة تستخدم سلطتها وذكاءها لتحقيق مكاسب غير مشروعة، بعيدا عن العنف المباشر.

 

ظهر هذا المصطلح لأول مرة عام 1939 على يد عالم الاجتماع الأمريكي “إدوين ساذرلاند”، ليصف الجرائم التي ترتكب داخل المؤسسات من قبل أفراد ذوي مكانة مرموقة، وتشمل الاختلاس، التهرب الضريبي، التلاعب بالعقود الحكومية، وتزوير الوثائق الرسمية. وعلى عكس الجرائم التقليدية، يحظى مرتكبوها بسمعة اجتماعية تحميهم من المساءلة، مما يجعل آثارها مدمرة للمجتمع. فهي لا تقتصر على الإضرار بالأفراد، بل تؤدي إلى تقويض الثقة بالمؤسسات، وتعطيل التنمية، وتهديد الأمن القومي.

 

تعد عمليات تزوير الوثائق المدنية في موريتانيا واحدة من أخطر أشكال جرائم اللياقات البيضاء، حيث لا يقتصر الأمر على الاحتيال المالي أو تسهيل أنشطة الجريمة المنظمة، بل يمتد إلى تهديد الأمن الوطني عبر تسهيل حصول أعداد كبيرة من المهاجرين على الجنسية بطرق غير قانونية.

 

عندما تصبح الوثائق الرسمية، مثل شهادات الميلاد وبطاقات الهوية وجوازات السفر، سلعا تباع وتشترى، فإن الخطر يتجاوز الفساد الإداري ليصل إلى تهديد كيان الدولة واستقرار المجتمع. والأخطر أن هذه الممارسات لا تتم بمعزل عن مؤسسات الدولة، بل تحظى بدعم داخلي من جهات نافذة، مما يعزز انتشارها ويعيق أي جهود جادة لمكافحتها.

 

فكيف يمكن محاربة الفساد إن كان متغلغلا داخل النظام ذاته؟

هل نحن في معركة حقيقية أم أننا مخترقون بدرجة لا يمكن معها خوض حرب ضد الفساد؟

 

الوهم الأكبر يكمن في الاعتقاد بوجود مواجهة جادة ضد الفساد، في حين أن بعض من يتولون مسؤولية مكافحته هم أنفسهم جزء من شبكاته. فهل يعقل أن تُوكل مهمة الإصلاح إلى من تحوم حولهم الشبهات؟ كيف يمكن تحقيق تحول حقيقي إذا كانت بنية الدولة ذاتها تتغاضى عن التجاوزات؟

 

إذا استمرت هذه الممارسات دون محاسبة، فإن تداعياتها ستكون كارثية. فاختراق مؤسسات الدولة، وبيع الهويات الوطنية لمن يدفع أكثر، يطرح تساؤلات خطيرة حول سيادة الدولة واستقرارها.

 

فكيف يمكن لدولة أن تصون أمنها وهي تترك أبوابها مفتوحة للتلاعب والفساد؟

إلى متى سيظل الفساد ممسكا بمفاصل الدولة؟

هل يمكن تحقيق تنمية حقيقية في ظل منظومة تسمح بتزوير هوية الوطن؟

ما الثمن الذي سندفعه عندما نكتشف – بعد فوات الأوان – أن الحرب على الفساد كانت مجرد وهم؟

 

هل يدرك صانعو القرار أن استمرار هذا النهج قد يدفع البلاد نحو فوضى لا تبقي ولا تذر، خصوصا أننا في منطقة تعج بالصراعات التي تستغل نقاط الضعف بلا هوادة؟

 

من لا يحمي نفسه، فمن الغباء أن يتصور أن الآخرون سيرحمونه

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *